" إن العنف الرمزي شكل من العنف يمارس على فاعل اجتماعي بتواطؤ منه، و كيفما كان الحال، فإن هذه الصياغة خطيرة لأنها تفتح الباب أمام مناقشات مدرسية حول مسالة معرفة إذا كانت السلطة تأتي من أسفل، و إذا كان المسود يرغب في الحالة المفروضة عليه …"
( بيير بورديو: أسئلة علم الاجتماع )
من منظور هيجلي و روايته حول لامادية التاريخ و المؤسس على " الصراع من أجل الاعتراف"، فإن التفسير الاقتصادي لتاريخ الصراع بين المكونات البشرية في دادس قد تم فيه الحسم أثناء الانتخابات لأن الرغبات خارج النفس ,كالطعام، المأكل أو الملجأ و بشكل عام الاحتفاظ بالجسم، لم تعد جزئيا مشكلة بالنسبة لجل الأمازيغ (أكانوا بيضا أو سودا) بمنطقة دادس. فبدليل أن سود المنطقة قبلوا بإرجاع بعض الممتلكات "للأسياد" السابقين و رفضهم التام للاستمرار في وضعية "عبيد" تشترى مقابل "قوالب من السكر"، فإنهم أصبحوا الآن يرغبون في رغبة الآخرين المهيمنين؛ أصبح الصراع إذن هو من أجل الاعتراف لأن ما كان يعتبر قديما "عبيدا" أصبح الآن ينادي على أن يعترف بهم كأناس لهم شرفهم و قيمهم و بالتالي أصبح "البرستيج " و ما يصاحب ذلك من أحاسيس كالقلق بالحرج و الافتخار هو ما يقود شكل الصيرورة التاريخية في دادس. من جهة أخرى فإن الاعتراف الذي تمتع به المنتخبون المحليون لم يكن كاملا بما فيه الكفاية بسبب وجود صراع بين هؤلاء المستشارين الجماعيين أنفسهم حيث يريد كل واحد منهم أن يصبح سيدا على أصدقائه. و هذا الاعتراف الناقص و الغير المقنع بين من أصبحوا أسيادا من جهة و بين عامة الناس من جهة أخرى قد أثر سلبا بالاعتراف "بالعبيد الأمازيغ". و ما زاد الأمور أكثر تعقدا هو اعتراف الدادسيين – حتى المثقفون منهم – بالمتماهين أو المقلدين "للعقل العروبي الشريف " رغم أنهم من طينة الأمازيغ. إن هؤلاء الأمازيغ و من خلال الصراع من أجل الاعتراف بهم متورطون في استنساخ و محاكاة النموذج العربي الاسلاموي للصراع من أجل السيادة و الهيمنة . فبعض الأمازيغ عملاء اللطيف و رغم إدعائهم للنضال و المعرفة الملتزمة لازالوا غير واعيين بخداع تقنية "السلام العنيف" لعلوم اللطيف و سياستها الماكرة. فإذا كان لطيف الحماية مبني على المعتقد " لا تفرق بيننا و بين إخواننا البرابرة " , فإن اللطيف الجديد لهؤلاء العملاء الجدد من الأمازيغ مبني على معتقد جديد يدعوا إلى التفرقة بين الأخوان البرابرة "، و هي تقنية ماكرة تعيد- و بشكل مقبول و مرضي- إنتاج سياسة تزيد في الهيمنة و الاستبداد ضد الأمازيغ عوض اعتبارها فنا من أجل الانعتاق و التحرر.
فعلى الرغم من أن الانتخابات الجماعية جزئيا جعلت العبيد ( أكانوا سودا أو بيضا )، وعن طريق مبادئ السيادة الشعبية من جعل العبيد قديما¬ أسيادا لأنفسهم و أسيادا على الأسياد القدماء و حيث أصبح الاعتراف الغير المتساوي الموروث مستبدلا بالاعتراف الشرعي المتبادل، فإن مستشاري أو منتخبي دادس لم يستطيعوا أن يتجاوزوا التناقض الموروث في العلاقة القديمة سيادةعبودية عربأمازيغ الشريفالعامي، فهذه النزعة المركزية العربية يتم إسقاطها حاليا على العلاقة المزعومة أو الأسطورة الجديدة أمازيغ/سود و زعموا أن القضية الأمازيغية مبنية على أساس اللون أو العرق.
ففي وضعية لم يعد فيها الصراع الطبقي أو العامل الاقتصادي المحرك الأول للتاريخ (أي فشل الرأسمال الاقتصادي جزئيا)، يمكن و مع بورديو إعادة تناول المقولة الماركسية بشكل مختلف "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم المجتمعي بل وجودهم المجتمعي هو الذي يحدد وعيهم". فمثلا المهاجرون من الجيل الأول و المتقاعدون الآن و رغم امتلاكهم لرساميل اقتصادية لا بأس بها، فإنهم يعيدون إنتاج ذلك التفكير البديهي القديم الذي كان يجعلهم يتقبلون تلك التراثبية القديمة المفترضة و الذي كان معمولا به قبل ذهابهم إلى الخارج. فرغم مكوثهم لمدة طويلة في بلدان متقدمة، على الأقل ديموقراطيا فإن نظرة هؤلاء العمال إلى الوجود تبقى معتمدة على مرشح القبيلة ( أكان معلما، ممرضا أو حتى أميا) ليتوسط له في المسائل الإدارية و الشؤون الاجتماعية. إن المهاجر و هو يبارك بكل قناعة هذه السلوكيات إنما يسقط كل النعوت السيئة على ذاته، ويميل إلى إنزال العقاب بنفسه على نفسه و يرد القهر و الاحتقار شيئا طبيعيا و مستحقا له. في هذا الإطار يمكن التذكير بمفهوم "الها بتوس" عند بيير بورديو " كبني مبنية مستعدة أن تعمل كبني بنائية" أي شكل الاستعدادات التي تكون الأفكار أو الأفعال لكل فرد و في نفس الوقت تولد ممارسات جديدة لمواجهة الوضعيات مثل لغة الأم. في غياب العامل الاقتصادي أيضا فإن المهاجرين المتقاعدين كفاعلين اجتماعيين قد يمثلون نموذجا لما سماه بورديو "بالخاصية البيئية التكوينية" و كمجموعة من "الطبائع" المغروسة في الفرد منذ طفولته توجه أفعاله حيث تولد ممارسات أثناء تبادلات السلطة الرمزية مع فاعلين آخرين، فتجد المهاجر يحيي الترابية القديمة عندما يصبح حليف المستشار الذي صوت عليه لا لكي يمثله أو يدافع عنه بل لكي يبارك له إعادة إنتاج التسلط أو الهيمنة المخزنيين و بدون شعور يدخل الكل في حرب ضد وجودهم الخاص و بالتالي ضد الوجود الأمازيغي بدادس .
فهدا النسق السياسي لدادس يتحول من عمل يروم بلوغ الانتهازية السياسية إلى مجرد دعامة لإعادة إنتاج التخلف و الهيمنة.
فالأمازيغ من دادس (أكانوا سودا أو بيضا) و بعد تبخسه لذاته يضخم التقدير لذلك المستشار الذي أصبح بنفسه متسلطا لأنه يعيد إنتاج تسلط المخزن، و هذا عنف رمزي و احتواء لعلاقات الهيمنة الغير الواضحة.
إن استسلام الأمازيغ في دادس و استرضائهم بأنهم "عبيد" لا يصلحون لتقلد مناصب القرارات لأنهم خارج نسقية "النسب الشريف" هو قبول التراتبية المزروعة بأنها طبيعية، فكما يقول بورديو أثناء حديثه عن العنف الرمزي "إننا نتقبل عددا معينا من المسلمات و من الأولويات التي تمر من دون كلام، و التي لا تتطلب ترسيخا ". قبول بعض الأمازيغ من دادس للسوابق التفكيرية بأنهم من طينة "الهمج النبيل" و استمرارهم في حمل شعارات "اللطيف"، أشكال تبدو لطيفة، و ناعمة و لكنها عنيفة و مقنعة تمارس بموافقة من أمازيغ دادس كفاعلين يسقط عليهم هذا العنف و هذا "الاعتراف بعنف يمارس بالضبط في المدى الذي نتجاهله بما هو عنف"، يؤكد انبثاق السلطة من الأسفل و أن "المسود يرغب في الحالة المفروضة عليه" على حد تعبير بورديو. إذا كان العامل الاقتصادي لم يعد هو العامل الوحيد المحدد للعلاقات الاجتماعية في منطقة دادس (ضمنيا فحتى الخطابات الماركسية لم تعد تملك أي إيقاع) فإن إعادة إنتاج دينامكية الاحتكار من أجل السيطرة أصبحت قاعدة لنظام جديد يجدد العلاقة بين المنتخبين الجدد كبدائل رهيبة تتماهى من خلال عدة أشكال مع أشبال اللطيف القدماء حيث يتحول الأمازيغي ( أكان أبيضا أو أسودا) من ضحية إستيلاب عروبي إسلاموي إلى معتد على أمثاله من الأمازيغ. و من خلال تأكيده على ضعف و جهل بل و تأخر الإنسان الدادسي فإنه يسقط كل عجزه و خوائه على الآخرين من دمه لأنهم هم المذنبون و يستحقون التبخيس. فكل جماعة جديدة من المنتخبين تنتظم حسب توجهها السياسي و حسب أيديولوجيتها أو حتى لونها أو عرقها و المهم من كل ذلك حسب الأسطورة أو العوامل الثقافية الرمزية. فالبدائل الرهيبة تحاول دائما فرض إنتاجياتها الثقافية الرمزية لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية للهيمنة من خلال عنف رمزي و كقدرة على إخفاء اعتباطية هذه الإنتاجيات الرمزية و بالتالي جعلها مقبولة و مشروعة.
من منظور روني جيرار و أطروحته حول التقليد ألمثلثاتي للرغبة و القائلة بأن الرغبة الشخصية ليست سعيا منفردا للشخص الراغب في الموضوع بل عملية محاكاة و استنساخ للآخرين، فإن النخب السياسية في دادس لا ترغب في الدفاع عن الحقوق اللغوية السياسية لهذه المنطقة و إنما من أجل استنساخ الجاني العروبي (اللطيف) و رغبته في التسلط و السيادة، فنقلا عن بربرا وايتمر في كتابها "الأنماط الثقافية للعنف" و استشهادا بجيرار في كتابه "العنف و المقدس": "يصبح الإنسان خاضعا لرغبات قوية و السبب يكمن في أنه يتوق إلى الوجود الأمر الذي يفتقده هو ذاته و يبدوا أن شخصا آخر يمتلكه …" فمخافة "افتضاح"كينونته فإن المنتخب الجماعي لمنطقة دادس ككائن يبدو لنفسه أقل مقاما، يحاكي علماء اللطيف حيث يبدون له بأنهم موهوبون بكينونة أرفع مقاما و بالتالي فإنه يلقى اللوم على أبناء المنطقة من لحمه و دمه بخروجهم عن طريق الطاعة و التبعية لأشبال اللطيف. إن التماهي و من خلال إعادة إنتاج الرساميل الثقافية للنخب الفاسية و سلعهم الرمزية -مثل الحاد الأمازيغ، تطبيع العلاقة مع اليهود و ربط القضية الأمازيغية بالعرق و اللون يوازيه تقلبات العقول الدادسية المزعومة الآن في النفع الحيوي و تلبية المكبوث بإنتاج سلع رمزية جديدة مثل: تكفير دخول الأمازيغ في السياسة واتهامهم بالفشل السياسي و الازدواجية في الشخصية او الانفصام - و كلها معايير و قيم صنعت من أجل النفع الحيوي و هو التستر على تطبيع العلاقات مع "يهود فاس" أو "علماء اللطيف" بشكل يتم فيه نشر خطاب يشرعن العنف ض المزيد

































وتعتبرها المحتجات خطيرة على الفرشة المائية ل