دادس: البدائل الرهيبة و الهيمنة.
كتبهاالغيغوشي الحر ، في 3 يوليو 2011 الساعة: 21:52 م
" إن العنف الرمزي شكل من العنف يمارس على فاعل اجتماعي بتواطؤ منه، و كيفما كان الحال، فإن هذه الصياغة خطيرة لأنها تفتح الباب أمام مناقشات مدرسية حول مسالة معرفة إذا كانت السلطة تأتي من أسفل، و إذا كان المسود يرغب في الحالة المفروضة عليه …"
( بيير بورديو: أسئلة علم الاجتماع )
من منظور هيجلي و روايته حول لامادية التاريخ و المؤسس على " الصراع من أجل الاعتراف"، فإن التفسير الاقتصادي لتاريخ الصراع بين المكونات البشرية في دادس قد تم فيه الحسم أثناء الانتخابات لأن الرغبات خارج النفس ,كالطعام، المأكل أو الملجأ و بشكل عام الاحتفاظ بالجسم، لم تعد جزئيا مشكلة بالنسبة لجل الأمازيغ (أكانوا بيضا أو سودا) بمنطقة دادس. فبدليل أن سود المنطقة قبلوا بإرجاع بعض الممتلكات "للأسياد" السابقين و رفضهم التام للاستمرار في وضعية "عبيد" تشترى مقابل "قوالب من السكر"، فإنهم أصبحوا الآن يرغبون في رغبة الآخرين المهيمنين؛ أصبح الصراع إذن هو من أجل الاعتراف لأن ما كان يعتبر قديما "عبيدا" أصبح الآن ينادي على أن يعترف بهم كأناس لهم شرفهم و قيمهم و بالتالي أصبح "البرستيج " و ما يصاحب ذلك من أحاسيس كالقلق بالحرج و الافتخار هو ما يقود شكل الصيرورة التاريخية في دادس. من جهة أخرى فإن الاعتراف الذي تمتع به المنتخبون المحليون لم يكن كاملا بما فيه الكفاية بسبب وجود صراع بين هؤلاء المستشارين الجماعيين أنفسهم حيث يريد كل واحد منهم أن يصبح سيدا على أصدقائه. و هذا الاعتراف الناقص و الغير المقنع بين من أصبحوا أسيادا من جهة و بين عامة الناس من جهة أخرى قد أثر سلبا بالاعتراف "بالعبيد الأمازيغ". و ما زاد الأمور أكثر تعقدا هو اعتراف الدادسيين – حتى المثقفون منهم – بالمتماهين أو المقلدين "للعقل العروبي الشريف " رغم أنهم من طينة الأمازيغ. إن هؤلاء الأمازيغ و من خلال الصراع من أجل الاعتراف بهم متورطون في استنساخ و محاكاة النموذج العربي الاسلاموي للصراع من أجل السيادة و الهيمنة . فبعض الأمازيغ عملاء اللطيف و رغم إدعائهم للنضال و المعرفة الملتزمة لازالوا غير واعيين بخداع تقنية "السلام العنيف" لعلوم اللطيف و سياستها الماكرة. فإذا كان لطيف الحماية مبني على المعتقد " لا تفرق بيننا و بين إخواننا البرابرة " , فإن اللطيف الجديد لهؤلاء العملاء الجدد من الأمازيغ مبني على معتقد جديد يدعوا إلى التفرقة بين الأخوان البرابرة "، و هي تقنية ماكرة تعيد- و بشكل مقبول و مرضي- إنتاج سياسة تزيد في الهيمنة و الاستبداد ضد الأمازيغ عوض اعتبارها فنا من أجل الانعتاق و التحرر.
فعلى الرغم من أن الانتخابات الجماعية جزئيا جعلت العبيد ( أكانوا سودا أو بيضا )، وعن طريق مبادئ السيادة الشعبية من جعل العبيد قديما¬ أسيادا لأنفسهم و أسيادا على الأسياد القدماء و حيث أصبح الاعتراف الغير المتساوي الموروث مستبدلا بالاعتراف الشرعي المتبادل، فإن مستشاري أو منتخبي دادس لم يستطيعوا أن يتجاوزوا التناقض الموروث في العلاقة القديمة سيادةعبودية عربأمازيغ الشريفالعامي، فهذه النزعة المركزية العربية يتم إسقاطها حاليا على العلاقة المزعومة أو الأسطورة الجديدة أمازيغ/سود و زعموا أن القضية الأمازيغية مبنية على أساس اللون أو العرق.
ففي وضعية لم يعد فيها الصراع الطبقي أو العامل الاقتصادي المحرك الأول للتاريخ (أي فشل الرأسمال الاقتصادي جزئيا)، يمكن و مع بورديو إعادة تناول المقولة الماركسية بشكل مختلف "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم المجتمعي بل وجودهم المجتمعي هو الذي يحدد وعيهم". فمثلا المهاجرون من الجيل الأول و المتقاعدون الآن و رغم امتلاكهم لرساميل اقتصادية لا بأس بها، فإنهم يعيدون إنتاج ذلك التفكير البديهي القديم الذي كان يجعلهم يتقبلون تلك التراثبية القديمة المفترضة و الذي كان معمولا به قبل ذهابهم إلى الخارج. فرغم مكوثهم لمدة طويلة في بلدان متقدمة، على الأقل ديموقراطيا فإن نظرة هؤلاء العمال إلى الوجود تبقى معتمدة على مرشح القبيلة ( أكان معلما، ممرضا أو حتى أميا) ليتوسط له في المسائل الإدارية و الشؤون الاجتماعية. إن المهاجر و هو يبارك بكل قناعة هذه السلوكيات إنما يسقط كل النعوت السيئة على ذاته، ويميل إلى إنزال العقاب بنفسه على نفسه و يرد القهر و الاحتقار شيئا طبيعيا و مستحقا له. في هذا الإطار يمكن التذكير بمفهوم "الها بتوس" عند بيير بورديو " كبني مبنية مستعدة أن تعمل كبني بنائية" أي شكل الاستعدادات التي تكون الأفكار أو الأفعال لكل فرد و في نفس الوقت تولد ممارسات جديدة لمواجهة الوضعيات مثل لغة الأم. في غياب العامل الاقتصادي أيضا فإن المهاجرين المتقاعدين كفاعلين اجتماعيين قد يمثلون نموذجا لما سماه بورديو "بالخاصية البيئية التكوينية" و كمجموعة من "الطبائع" المغروسة في الفرد منذ طفولته توجه أفعاله حيث تولد ممارسات أثناء تبادلات السلطة الرمزية مع فاعلين آخرين، فتجد المهاجر يحيي الترابية القديمة عندما يصبح حليف المستشار الذي صوت عليه لا لكي يمثله أو يدافع عنه بل لكي يبارك له إعادة إنتاج التسلط أو الهيمنة المخزنيين و بدون شعور يدخل الكل في حرب ضد وجودهم الخاص و بالتالي ضد الوجود الأمازيغي بدادس .
فهدا النسق السياسي لدادس يتحول من عمل يروم بلوغ الانتهازية السياسية إلى مجرد دعامة لإعادة إنتاج التخلف و الهيمنة.
فالأمازيغ من دادس (أكانوا سودا أو بيضا) و بعد تبخسه لذاته يضخم التقدير لذلك المستشار الذي أصبح بنفسه متسلطا لأنه يعيد إنتاج تسلط المخزن، و هذا عنف رمزي و احتواء لعلاقات الهيمنة الغير الواضحة.
إن استسلام الأمازيغ في دادس و استرضائهم بأنهم "عبيد" لا يصلحون لتقلد مناصب القرارات لأنهم خارج نسقية "النسب الشريف" هو قبول التراتبية المزروعة بأنها طبيعية، فكما يقول بورديو أثناء حديثه عن العنف الرمزي "إننا نتقبل عددا معينا من المسلمات و من الأولويات التي تمر من دون كلام، و التي لا تتطلب ترسيخا ". قبول بعض الأمازيغ من دادس للسوابق التفكيرية بأنهم من طينة "الهمج النبيل" و استمرارهم في حمل شعارات "اللطيف"، أشكال تبدو لطيفة، و ناعمة و لكنها عنيفة و مقنعة تمارس بموافقة من أمازيغ دادس كفاعلين يسقط عليهم هذا العنف و هذا "الاعتراف بعنف يمارس بالضبط في المدى الذي نتجاهله بما هو عنف"، يؤكد انبثاق السلطة من الأسفل و أن "المسود يرغب في الحالة المفروضة عليه" على حد تعبير بورديو. إذا كان العامل الاقتصادي لم يعد هو العامل الوحيد المحدد للعلاقات الاجتماعية في منطقة دادس (ضمنيا فحتى الخطابات الماركسية لم تعد تملك أي إيقاع) فإن إعادة إنتاج دينامكية الاحتكار من أجل السيطرة أصبحت قاعدة لنظام جديد يجدد العلاقة بين المنتخبين الجدد كبدائل رهيبة تتماهى من خلال عدة أشكال مع أشبال اللطيف القدماء حيث يتحول الأمازيغي ( أكان أبيضا أو أسودا) من ضحية إستيلاب عروبي إسلاموي إلى معتد على أمثاله من الأمازيغ. و من خلال تأكيده على ضعف و جهل بل و تأخر الإنسان الدادسي فإنه يسقط كل عجزه و خوائه على الآخرين من دمه لأنهم هم المذنبون و يستحقون التبخيس. فكل جماعة جديدة من المنتخبين تنتظم حسب توجهها السياسي و حسب أيديولوجيتها أو حتى لونها أو عرقها و المهم من كل ذلك حسب الأسطورة أو العوامل الثقافية الرمزية. فالبدائل الرهيبة تحاول دائما فرض إنتاجياتها الثقافية الرمزية لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية للهيمنة من خلال عنف رمزي و كقدرة على إخفاء اعتباطية هذه الإنتاجيات الرمزية و بالتالي جعلها مقبولة و مشروعة.
من منظور روني جيرار و أطروحته حول التقليد ألمثلثاتي للرغبة و القائلة بأن الرغبة الشخصية ليست سعيا منفردا للشخص الراغب في الموضوع بل عملية محاكاة و استنساخ للآخرين، فإن النخب السياسية في دادس لا ترغب في الدفاع عن الحقوق اللغوية السياسية لهذه المنطقة و إنما من أجل استنساخ الجاني العروبي (اللطيف) و رغبته في التسلط و السيادة، فنقلا عن بربرا وايتمر في كتابها "الأنماط الثقافية للعنف" و استشهادا بجيرار في كتابه "العنف و المقدس": "يصبح الإنسان خاضعا لرغبات قوية و السبب يكمن في أنه يتوق إلى الوجود الأمر الذي يفتقده هو ذاته و يبدوا أن شخصا آخر يمتلكه …" فمخافة "افتضاح"كينونته فإن المنتخب الجماعي لمنطقة دادس ككائن يبدو لنفسه أقل مقاما، يحاكي علماء اللطيف حيث يبدون له بأنهم موهوبون بكينونة أرفع مقاما و بالتالي فإنه يلقى اللوم على أبناء المنطقة من لحمه و دمه بخروجهم عن طريق الطاعة و التبعية لأشبال اللطيف. إن التماهي و من خلال إعادة إنتاج الرساميل الثقافية للنخب الفاسية و سلعهم الرمزية -مثل الحاد الأمازيغ، تطبيع العلاقة مع اليهود و ربط القضية الأمازيغية بالعرق و اللون يوازيه تقلبات العقول الدادسية المزعومة الآن في النفع الحيوي و تلبية المكبوث بإنتاج سلع رمزية جديدة مثل: تكفير دخول الأمازيغ في السياسة واتهامهم بالفشل السياسي و الازدواجية في الشخصية او الانفصام - و كلها معايير و قيم صنعت من أجل النفع الحيوي و هو التستر على تطبيع العلاقات مع "يهود فاس" أو "علماء اللطيف" بشكل يتم فيه نشر خطاب يشرعن العنف ضد الأمازيغ الدادسيون لأنهم انتهكوا معايير "اللطيف الجديد" في دادس بالتدخل في الشؤون السياسية لسيادة عملاء اللطيف.
إن إعادة تركيز اللوم من المعتدي الجاني (اللطيف) و المتماهين معه من الأمازيغ إلى الضحايا الأمازيغ من دادس قد يؤدي إلى نوع من الإستمزاغ للأمازيغ حول أنفسهم – أي يتم إعادة إنتاج تصنيف الأمازيغ ككائنات لاأخلاقية، "دخلاء"، عملاء اليهود و حاملي الأفكار الفاشلة العرقية، و بدلا من تحميل هؤلاء المعتدون المسؤولية التاريخية، فإن النخب السياسة في دادس تدخل فيما يسميه علماء النفس "بالاسقاط " سماه جيرار "بالتماهي الاسقاطي" حيث يصبح هذا البديل للنموذج القديم شبيه الضحية (الأمازيغ) لأنه إلى جانب أنه يلعب دور المعتدي و كشاهد على الكارثة فهو أيضا يعاني من الرعب و الحنق و اليأس الذي يعاني منه الأمازيغ و يخلق نوعا من الصدمة بالنيابة. إن إعادة إنتاج الرضوخ و التبعية بادي إلى إنشاء نوع من الازدواجية في العلاقات: هناك رضوخ داخلي إلى المخزن (كنوع من الانتهازية)و عدوانية ضمنية ضد جنسه من لحمه و دمه من خلال الكذب، الخداع و التضليل. إن أغلب المستشارين على طول واد دادس يدافعون عن المخزن ضد افتضاح أمرهم و تورطهم في إعادة تسلط المخزن. و على الرغم من أن بعضا منهم قد ورثوا رساميل اقتصادية لا بأس بها من آبائهم، فإن الخشي من الانكشاف في تورطه مع المخزن إلى جانب هاجس الفضيحة من عجزه و فقره إلى السياسة كفن للمطالبة بالحقوق اللغوية و الثقافية (السياسية) لهذه المنطقة المهمشة و المقصية، يجعلان هذا المرشح يعيش حالة امتحان من خلال جدلية ما يخفي وما يعلن. كما أن فشل المرشح في تحقيق نشر الوعي الأمازيغي و تحقيق "تيموزغا" (كما ينادي إليها أيت غيغوش) يولد لديه مشاعر الذنب و العار و يلجأ إلى السترة ببرجه العالي. لن يتقبل أن يكون عاريا أمام هذه الأعداد المتزايدة من أيت غيغوش مما يولد لديه عدوانية يتم إسقاطها على هؤلاء و يفسح المجال لاستشكال تسميتهم ب "أيت غيغوش" فقط لتبرير الإعتداء على هؤلاء. و إلى جانب هذا السياج العازل و الذي تشيده العضوية في المجالس البلدية أو القروية، هناك ما يسمى ب"التبعيد الهادف": يبعد الفاعلون الاجتماعيون المصدومون عاطفيا عن أسرار المجالس و ظروفها السياسية لضمان العودة في الإنتخابات القادمة. و إلى جانب الانفصام الذي قد يؤدي إليها هذا التبعيد المعقلن يتم خلق أزمة محاكاتية تصارعية تدخل في آلية إيجاد كبش فداء: تقوم "الشخصية" الهلوسية للنموذج العروبي الجاني باتهام النشطاء الأمازيغ بالشوفينية و كل الأوصاف التي لا يتحمل و لا يطيق؛ و باستحضار الصورة الثالثة للنموذج العروبي القديم يدخل المستشار في التحريم الاجتماعي و بطريقة مخادعة يتم إدانة كل فرد منعزل لأنه يمثل "قوة متوحشة". لكن الحقيقة الكامنة من وراء هذا وحسب فرويد هي أن "الرجال ليسوا مخلوقات لطيفة تريد أن يحبها الآخرون". فالمستشار يغير وجهة حملقة الآخر العدواني بإيهام نفسه بإحساس خادع بالسيطرة إلى أن يصبح معتديا "داخليا" مراقبا لإخوانه و حاكما عليهم و بالتالي يصبح متفرجا على ذاته و معتديا عليها بعدما أصبحت موضوع سيطرة السلطات المحلية. و كما تقول بربرا وايتمر في كتابها "الأنماط الثقافية للعنف": "تعيد الذات توجيه حملقة الآخر العدوانية نحو ذاتها كدفاع ضد البخس الناتج عن كونها موضوع الحملقة العدوانية" (ص70). و قد تؤدي هذه الدينامية إلى نوع من إكراه النفس خاصة و أن الأحزاب السياسية المغربية قد تعمل على تفريق المستشارين بتطبيق نظام العبيد حيث يتم عزل بعضهم عن البعض الآخر مما يحول دون اتحادهم في التمرد و المقاومة. و تزداد قوة هذه الأحزاب آليا في التفرقة لأنها محمية بالقانون و العادة (و الهابتوس).
من القيود الغير المرئية أيضا و في إطار دينامية الإحتكار من أجل السلطة نجد ما يسمى حاليا بأسطورة "شمال القنطرة" (قنطرة بومالن كإعادة لإنتاج الأسطورة القديمة للمجلس القديم "جنوب القنطرة"). فالأسطورة الجديدة مرتبطة بأسرار العرقية و اللون. فهي كخطاب مخاتل مخادع يزكي مساحيق و أقنعة أخلاق العبيد.انتصرت الغريزة القطيعية و حيث المفاهيم تجد أصلها في المعاني التي يمنحها إياها العبيد المنتصرون. فقد أصبحت القيم السياسة وحتى الأخلاقية تتأصل من الطابع الدلالي و السيكولوجي لرؤية ذلك الأرستقراطي الذي يريد فقط أن ينتقم. فهذا النموذج الارتكاسي يضخم الذاكرة و يستبعد النسيان، و بقوة الحقد و الكراهية يتم نكران لمزايا الغير و إلحاق الأخطاء بالآخرين حيث حكموا على أسطورتهم المضادة بأنها من النوع الرفيع. لم تكن الأسطورة القديمة لجنوب القنطرة مبنية ليس فقط على علاقة الدم و المصاهرة بل مغالطة شوفينية حقودة اتجاه سود المنطقة. إذا كان جواب أفلاطون حول الذي يجب عليه أن يحكم هو "أن الأفضل هو الذي تجنب أن يحكم"، فإنه يمكن استبدال السؤال الأفلاطوني حسب كارل بوبر بسؤال آخر هو: "هل هناك أشكال للحكم تستحق اللوم لأسباب أخلاقية؟"، كيف يمكن التخلص من الفخ الأخلاقي الرهيب الذي سقطت فيه أسطورة جنوب القنطرة أثناء التصديق بارتباط تسمية "الأمازيغ" باللون الأبيض فقط؟ وحسب هذه الأسطورة الإرتكاسية (عدمية في أصولها) فإن العبد و إن "امتلك السلطة لا يكف أن يصير عبدا". فمن خلال استعمال آلية الأطفال في التغلب على الخوف حيث التماهي بالأشباح، فإن الأسطورة القديمة سقطت وتوسعت نحو ذلك الذي تستبعده بالذات: ففي فترة عصيبة استحسن بل فضل أصحاب جنوب القنطرة أن يكون رئيس المجلس البلدي الحالي أمازيغيا "ملحدا" أو "يهوديا مجوسيا" من أن يكون "خماسا" من لون أسود. و لفترة وجيزة في تاريخ بومالن دادس يتم إعادة ثنائية السيد و العبد فأصبحت إشكالية اللون والعرق و الأصل "بيتا بائسا للشعراء و الفاشلين" سياسيا: فعلى الرغم من ادعائهم وذلك قبل الانتخابات للبراءة من خلال إيهام الدادسيين بأن الأمازيغ ملحدون لا يصومون، فإنهم بعد ذلك أحسوا بالذنب و الخطيئة و قاموا بتسويق لسلع رمزية جديدة تقول بأن الأمازيغ مرتبطون باللون الأبيض أي أنهم ليسوا من الحراطين (من الحر الثاني) بل الأحرار (الحر الأول)، و بما أن لون البشرة وحسب هذه العقول "المستشرفة" علامة تأخر في التطور البيولوجي للكائن الدادسي فإنه يجب إبعاده عن تسيير الشؤون. فهذه النخبة التي ورثت رساميل رمزية من عملاء اللطيف (الاستقلال) لم تستطع أن تتجاوز بعد التناقض الموروث في العلاقة القديمة سيادة/عبودية، أبيض/أسود، عرب/بربر، الشريف/العامي وكلها ثنائيات مضادة موروثة عن النزعة المركزية العروبية يتم إسقاطها حاليا على العلاقة أمازيغ/سود. مرة أخرى بعد الإنتخابات يصبح الأسد طفلا في النهاية (سيرورة العقل عند نيتشه)، فبعد تربعه على عرش الاستبداد و قهر السود لمدة 30عاما يتقمص "الأسد" براء ة الطفل و نسيانه و باستغلاله روابط القرابة و علاقة المصاهرة المبنية على لون البشرة و بشكل استعراضي يلخص المسؤولية السياسية في الولائم و "الصدقات" و حيث عقدة الوجاهة و الاستعراض ومصاحبة عامل الإقليم في الولائم و المناسبات تتستر على الخواء الداخلي. لكن الأسد انقلب طفلا و لعب دور الشبح "الأسود" الذي هدده. يمكن إيجاز تلك النهاية الأليمة من خلال أطروحة "آنا" ابنة فرويد في مؤلفها "الأنا و آليات الدفاع". فلكي يتغلب الطفل الذي يخاف الأشباح على خوفه فإنه يتقمص حركات و عدوانية بل يستعمل أدوات الشبح لكي يخيف طفلا آخر، يسقط عليه دور الضحية التي تخاف، تحول الأسد طفلا يلعب دور ذلك الأسود المرشح لكي يخيف به الأمازيغ (البيض) الذين شاركوا في الإنتخابات، من كائن مهدَّد إلى مخلوق مخيف ومهدِّد، وكل ذلك من أجل إبعاد الاتهام بالتسلط الذي مورس و لسنين عديدة على العبيد (أكانوا بيضا أو سودا)، إنه التستر عن الخطيئة في تجاهله لغرائز هؤلاء العبيد. إن اكتمال مسار ما سمي بعقل نخبة جنوب القنطرة إلى هذه الطفولية و سقوطه من المثاليات أو "اللطيفيات" إلى اللاعقل أمازيغي" كمجال يطرح اشكالية اللون و العرق، يشكل نهاية حزينة فقط لأن العامل الإقتصادي وحده لم يعد هو العامل الوحيد المحدد للعلاقات الإجتماعية.
عيناني ابراهيم أسيف ن دادس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : وجهة نظر | دوّن الإدراج























