Yahoo!

 

الامازيغية هي كل شيء شئت ام ابيت وهي التي صنعت وستصنع التاريخ.لنا عالمنا ولن نركع لكل ذخيل يريد القضاء على قيمنا وثقافتنا وكل شيء له علاقة بالامازيغية من الطوارق الى سيروة المصرية، لدينا فكرنا وقناعتنا وهذفنا واحد،وكما قال مولاي محند:"ليس في قضية الحرية حل وسط"، وهو يقول ايضا "الكفاح الحقيقي هو الذي ينبثق من وجدان الشعب. لأنه لا يتوقف حتى النصر"، فلنكافح ضد اعداء الامازيغية ولنكن خنجر في عنق هؤلاء الخوانة المجرمون الذين اكلوا وشربوا على طهران المقاومين الحقيقيين للشعب المغربي من عسوا اباسلام ومولاي محند وعباس المسعدي... ،وكما كان هذفنا الحرية يقول مولاي محند:"لا أرى في هذا الوجود إلا الحرية، وكل ما سواها باطل". 

ayt ghighuc


كلود ليفي شتراوس مدافعاًً عن التنوع الثقافي في العالم

أبريل 4th, 2010 كتبها الغيغوشي الحر نشر في , مقالات فلسفية

كلود ليفي شتراوس مدافعاًً عن التنوع الثقافي في العالم.

الكاتب: محمد

كلود ليفي شتراوس مدافعاًً عن التنوع الثقافي في العالم
بقلم: محمد شاويش-برلين

يلاحظ كلود ليفي شتراوس في كتيبه “العرق والتاريخ” الذي نشرته “اليونسكو” عام 1952 ضمن مجموعة من الدراسات عنوانها “المسألة العرقية أمام العلم المعاصر” أن في المجتمعات البشرية قوى تعمل باتجاهات متعارضة، بعضها يعمل في اتجاه الاختلاف وبعضها في اتجاه التقارب والتشابه، ويقارن ذلك بتغير اللغات، فثمة لغات من أصل واحد تتمايز كالروسية والفرنسية والإنجليزية، وأخرى من أصول مختلفة تطور ملامح مشتركة بسبب الجوار كالروسية والفنلندية –الأوغرية والتركية التي تقترب من بعضها في بعض الملامح الصوتية على الأقل. ويقول بعد ذكر هذه الملاحظة عن تطور اللغات :”عندما ندرس مثل هذه الواقعات- وثمة مجالات أخرى من الحضارة كالمؤسسات الاجتماعية والفن والدين، تقدم واقعات شبيهة بها- ننتهي إلى التساؤل عما إذا كانت المجتمعات البشرية لا تتحدد، نظراً لعلاقاتها المتبادلة بتنوع أمثل لا تستطيع تجاوزه، كما لا تستطيع بعد ذلك النزول تحته بدون خطر.. وهذا الحد الأمثل يتغير تبعاًًًًً لعدد المجتمعات وأهميتها العددية وبعدها الجغرافي ووسائل الاتصال (المادية والفكرية) التي تستخدمها”(1).
ومشكل الاختلاف لا يقتصر على الثقافات المختلفة فهو موجود أيضاًً داخل كل مجتمع.
وفي هذه النقطة أذكر القارئ بالاختلاف في مجتمعاتنا بين الأوساط المدنية والريفية والبدوية، وضمن المدن نفسها إلى آخره..وإن كان هذا الاختلاف بالتأكيد في حالة تغير فبعض الاختلافات يختفي وبعضها يظهر.
ويقول شتراوس إن من الاختلافات ما ينشأ عن العزلة، ومنها ما ينشأ بالعكس عن القرب إذ تفعل في هذه الحالة اعتبارات كالرغبة في التميز والمحافظة على الذات، وعلى هذا فتنوع الثقافات ينتج عن العلاقات بين المجتمعات أكثر مما ينتج عن عزلتها.
وتنوع الثقافات كما يقول قلما فهم على وجهه الصحيح بما هو ظاهرة طبيعية ناتجة عن علاقات مباشرة أو غير مباشرة بين المجتمعات، بل كان الناس يرون فيه تشوها في التكوين أو عاراً، وكان رد فعل البشر تجاه الأشكال الأخلاقية والدينية والاجتماعية والجمالية البعيدة عنهم ردود احتقار واشمئزاز “عادات متوحشين” “لا ينبغي السماح بذلك”، وظهر ذلك في وصف اليونان والرومان للثقافات التي تختلف عنهم بأنها “بربرية” ثم “متوحشة”، ويلاحظ ملاحظة طريفة ن هذا الموقف هو بالذات موقف معظم الشعوب التي تسمى “متوحشة”، إذ ليس عندها مفهوم عن الإنسانية يضم عروقاً وحضارات مختلفة فهي تقصر مفهوم “البشر” على قبائلها أو مجموعتها اللغوية، وتسمي نفسها “الناس” أو “الكاملين” وغيرها “أشرار” أو “مجرمون” أو “قرود”، بل قد تعد الغريب “شبحاً” أو “خيالاًً”، ويورد شتراوس واقعة تاريخية طريفة: في أرخبيل الأنتيل، بعد سنوات من اكتشاف أمريكا، كان الإسبان يرسلون لجان استقصاء للبحث عما إذا كان الأهالي يملكون أرواحاً، أما هؤلاء الأهالي فكانوا يحاولون تغطيس بعض الأسرى البيض في الماء ليتحققوا بواسطة مراقبة مطولة مما إذا كانت جثثهم عرضة للتفسخ!( ص470).
ويختصر شتراوس استنتاجه بعبارة موجزة دالة: “الهمجي هو أولاًً الإنسان الذي يعتقد (بوجود) الهمجية” (ص470)(2).
ويقول شتراوس أن الأديان والفلسفات الكبرى كافحت هذا الضلال، غير أن هذه المكافحة لا تكفي لترد الناس عن النزعة العرقية التي تنتج عن مجرد الملاحظة البسيطة لواقعة وجود أعراق بشرية مختلفة! وقد كان الحل الذي جاءت به النشوئية المزيفة هي عدم الاعتراف بالتنوع الثقافي مع التظاهر بالاعتراف به عبر نظرية تقول بأن حالات الثقافة المختلفة هي مراحل لتطور واحد منطلق من نقطة واحدة ومتوجه في اتجاه واحد، هذه النشوئية الاجتماعية التي تذكر بالنشوئية الداروينية هي أقدم منها عهداًً كما نجد في أمثلة باسكال وفيكو وكونت وكوندورسيه.
ويضرب شتراوس أمثلة كثيرة على خطل النظرة التي تقول بمراحل تطور تقف أوروبا على قمتها ولا تشكل الثقافات الأخرى إلا درجات مرت بها أوروبا سابقاً، مثلاً ترافق تدجين الحيوانات في وروبا مع تطوير الزراعة بخلاف مجتمعات أمريكا القديمة، وهذه الأخيرة استعملت في طورها الزراعي أدوات حجرية على حين استعملت الأولى أدوات معدنية. لا توجد شعوب طفلة وأخرى مراهقة وثالثة ناضجة فلكل الشعوب نفس القدر من التاريخ وإن ظهر لنا أن بعضها “بلا تاريخ”لأننا نجهل هذا التاريخ.
على أن شتراوس يعود لطرح فرضية تميز بين شعوب لها تاريخ تقدمي، اكتسابي يكدس الاكتشافات والابتكارات، وأخرى لها تاريخ ربما كان فعالاً كالأول ويستعمل المواهب نفسها، ولكنه يفتقر إلى الموهبة التأليفية التي هي وقف على الأول “فكل تجديد، بدلاً من أن يضاف إلى التجديدات السابقةوالمتجهة في الاتجاه نفسه، ينحل فيها في نوع من المد المتموج الذي لا يتوصل أبداًص إلى الابتعاد باستمرار عن الاتجاه البدئي”( ص478).
بعد ذلك ينطلق شتراوس لمعالجة “فكرة التقدم” ملاحظاً أن مخططات العلماء التي كانت سائدة مطلع القرن العشرين (قبل خمسين سنة من كتيبه) السائرة على شكل سلسلة مرتبة منتظمة مستمرة: عصر الحجر المنحوت، عصر الحجر المصقول، عصور النحاس والبرونز والحديد لا تسير في خط واحد متصاعد فبعضها يترافق مع بعضها الآخر ولا يتخالفان زمانياً ويقول مستنتجاً “لا يرمي ذلك كله إلى إنكار واقع تقدم البشرية، ولكنه يدعونا إلى تصوره بمزيد من الاحتراس. يميل تطور المعارف الأثرية وما قبل التاريخية إلى عرض أشكال حضارية في المكان، كنا ميالين لتصورها متدرجة في الزمان. وهذا يعني أمرين: أولاً إن “التقدم” (إذا كان هذا اللفظ ما يزال ملائماً للدلالة على واقع يختلف جداً عن الواقع الذي كان يطبق عليه في بادئ الأمر) ليس محتماً ولا مستمراً، بل ينشأ على طفرات أو قفزات أو، كما يقول البيولوجيون تبدلات مفاجئة. وهذه الطفرات والقفزات لا تكمن في الابتعاد دائماً في الاتجاه ذاته، بل تترافق بتغييرات في الاتجاه(…) فالبشرية السائرة في طريق التقدم لا تشبه شخصاً يرتقي درجاً، مضيفاً بكل حركة من حركاته درجة جديدة إلى الدرجات التي صعدها، بل تذكر بالأحرى باللاعب الذي يتوزع حظه على عدة قطع من النرد، والذي يراها في كل مرة يلقيها، تتبعثر على البساط جالبة إليه حسابات مختلفة. فما نربحه على صعيد، نحن معرضون دائماً لخسارته على صعيد آخر، وإنما بين الحين والآخر فقط يكون التاريخ تراكمياً ، أعني أن الحسابات تضاف إلى بعضها بعضاً لتؤلف تاريخاً تراكمياً”( ص481).
على التاريخ التراكمي يضرب شتراوس مثلاًً حضارة شعوب أمريكا القدماء الذين وصلوا على الأغلب إلى القارة قبل عشرين ألف عام بجماعات صغيرة استطاعت أن تطور معارف نظرية وتطبيقية لبيئتها فقد دجنوا أجناساً نباتية وحيوانية واكتشفوا كثيراً من السموم والمواد المخدرة وطوروا كثيراً من الصناعات كالنسيج والخزف وشغل المعادن الثمينة، ولهم تدين أوروبا بالبطاطا والمطاط والتبغ والكوكا والذرة والفول السوداني والبندورة والأناناس وغيرها، وعرف المايا الصفر أساس الرياضيات قبل الهنود ثم العرب بخمسمائة سنة، وأقام الإنكا نظاماً سياسياً اختلف فيه أهو اشتراكي أم استبدادي ولكنه “كان ينتمي إلى أحدث الصيغ ومتقدماً عدة قرون على الظاهرات الأوروبية المنتمية إلى النموذج ذاته” (ص483).
وينتقل شتراوس بعد ذلك لمناقشة مسألة هامة جداًً هي الاختلاف بين “التاريخ الساكن” و “التاريخ التراكمي”، فإذا أقر الأوروبيون لأمريكا القديمة بامتياز التاريخ التراكمي لإسهاماتها التي اقتبسوا منها وتشبه إسهاماتهم، ماذا يكون موقفهم من حضارة تمسكت بتطوير بعض القيم الخاصة، التي لا يمكن لأي منها أن تثير اهتمام الملاحظ؟ أفلا يكون هذا الأخير ميالاً إلى نعت هذه الحضارة بالسكون؟ “قد نقصد هكذا بالثقافة التراكمية كل ثقافة تتطور في اتجاه شبيه بثقافتنا، أي الثقافة التي ينطوي تطورها على دلالة في نظرنا، في حين أن الثقافات الأخرى تبدو لنا ساكنة، لا لأنها كذلك بالضرورة، بل لأن خط تطورها لا يعني لنا شيئاً، ولا يمكن تقديره بعبارة نظام الإحالات التي نستخدمها”( ص483).
ذلك ما يشبهه شتراوس بوجهة نظر المسنين الذين يرون في تاريخ شيخوختهم تاريخ سكون قياساً للتاريخ التراكمي أيام شبابهم، إذ كل أيامهم تفقد معناها فلا يحدث فيها شيء أو ما يحدث يتسم بسمات سلبية، على عكس أحفادهم الذين يعيشون الفترة نفسها بكامل الحماسة التي فقدوها هم، وكذلك خصوم نظام سياسي ما يعدونه خارج التاريخ ولا يعترفون له بتطور بخلاف أنصار النظام وخصوصاً حين يشاركون في سير عمل جهاز الحكم. “إن التاريخية أو على الأصح، وفرة الأحداث في ثقافة أو سيرورة ثقافية، تابعتان، لا لخصائص هذه الأحداث الذاتية، بل لوضعنا حيالها، ولعدد المصالح المرهونة بها وتنوع هذه المصالح”. (ص484)
ويلجأ شتراوس إلى التمثيل للاختلاف في النظرة بين ابن الثقافة من داخلها وابن ثقافة أخرى ينظر من الخارج بالاختلاف الذي قالت به النظرية النسبية بين رؤية راكب القطارللقطارات الأخرى بحسب سرعتها واتجاهها نحوه أو عكسه، “إن كل عضو من أعضاء الثقافة متضامن معها على نحو وثيق كتضامن هذا المسافر مع قطاره. ومنذ ولادتنا يرسخ المحيط في أذهاننا، بألف محاولة شعورية أو لاشعورية، منظومة معقدة من الإحالات، مؤلفة من أحكام قيمية ودوافع ومراكز اهتمام، بما في ذلك النظرة الانعكاسية التي تفرضها علينا التربية حول صيرورة معارفنا التاريخية، والتي بدونها تصبح هذه الحضارة غير معقولةأو تبدو متناقضة مع التصرفات الفعلية. ونحن ننتقل تماماً مع نظام الإحالات المشار إليها، وتتعذر ملاحظة واقعات الخارج الثقافية إلا من خلال هذه التشوهات التي تفرضها عليها هذه المنظومة، هذا إذا لم يبلغ بها الأمر إلى حد منعنا من ملاحظة أي شيء من هذه الواقعات الثقافية (ص485).
وعلى العكس من العالم الفيزيائي الذي نظن فيه المتحرك معنا ساكناً ولا نراه متحركاً إلا إذا اختلف اتجاه حركته وسرعته عنا، فإننا في العالم الإنساني لا نكتشف الحركة إلا إذا كانت تسير في اتجاهنا نفسه وفي نفس سرعتنا، ويرى شتراوس أننا هنا يجب أن نهتم بمتغيري “الإعلام” و “الدلالة”، إذ أن الثقافات الأخرى حين لا تسيرها اهتماماتنا وعاييرنا تكون “كمية الإعلام” القابلة للانتقال إلينا محدودة وتشوش رؤيتنا لها، بل قد تمنعنا من رؤيتها كلياًً.
وينتقل شتراوس إلى تطبيق هذا المبدأ على واقع الحضارات البشرية المعاصرة، فقد كرست الحضارة الغربية نفسها منذ بضعة قرون لوضع وسائل آلية متزايدة القوة تحت تصرف الإنسان، فلو اعتمدنا معيار كمية الطاقة المتاحة لكل فرد دليلاً على درجة تطور الحضارة لكان الغرب في رأس القائمة، أمريكا ثم أوروبا والسوفييت واليابان ثم في المؤخرة المجتمعات المسماة “نامية” و “بدائية”التي تذوب في مجموعة غامضة، كون خط التطور المذكور لا يصلح لوصفها، رغم أنها تختلف فيما بينها اختلافات كبيرة، بل قد تتقابل فيما بينها وبحسب وجهة النظر المختارة ننتهي إلى تصنيفات مختلفة.
أما إن أخذنا المعيار قدرة التغلب على البيئات الجغرافية الأكثر معاداة، فلا شك في انتصار الأسكيمو والبدو.
وفي مجالات أخرى تفوقت الهند في إعداد منظومة فلسفية-دينية، والصين في نمط من الحياة، كلاهما خليق بأن يخفف من النتائج النفسانية لفقدان التوازن الديمغرافي، وقبل أربعة عشر قرناًص وضع الإسلام نظرية عن تضامن جميع أشكال الحياة البشرية: التقني والاقتصادي والاجتماعي والروحي لم يعثر الغرب عليها إلا مؤخراً جداً مع الماركسية والإثنولوجيا الحديثة، “ونحن نعلم المكانة السامية التي احتلها العرب بفضل هذه النظرية النبوية في حياة العصر الوسيط الفكرية” (ص487)، أما الغرب سيد الآلات فمعلوماته أولية جداً عن استخدام موارد آلة الجسد على حين يتقدم عليه الشرق والشرق الأقصى بآلاف السنين بهذا المجال، كما في مجال العلاقات بين المادي والمعنوي المرتبط به كما في يوغا الهند وتقنيات التنفس الصينية ورياضة الأحشاء لدى قدماء فاووري، وطورت الشعوب البولينيزية مبكراً فن الزراعة بلا أرض، وهي علمت العالم أيضاًص فن الملاحة وكشفت له عن نموذج من حياة اجتماعية وأخلاقية أكثر حرية وكرماً مما كان يخطر ببال. وفي إطار تنظيم الأسرة وإضفاء الانسجام على العلاقة بين الجماعة العائلية والجماعة الاجتماعية طور الأستراليون الأصليون على تخلفهم في الاقتصاد منظومات قواعد يحتاج المرء لفهمها إلى بعض أشكال الرياضيات الحديثة ويمكن عدهم رواد علم اجتماع الأسرة، وشكل غنى الإبداع الجمالي عند الميلانيزيين وجرأته وموهبتهم في دمج أشد نتاجات فاعلية العقل اللاشعورية غموضاً يالحياة الاجتماعية إحدى أرفع القمم. وأفريقيا بدأنا مؤخراً فقط نفهم أنها بوتقة ثقافية للعالم القديم، والحضارة المصرية كانت عملاً مشتركاً لآسيا وأفريقيا (3) وأنظمة أفريقيا القديمة السياسية والفلسفية الكبرى وصياغاتها القانونية تدل على ماض مبدع، ونستدل عليه أيضاًص بتقنيات العاج والبرونز التي كانت متفوقة على نظيرتها الغربية، هذا مع ملاحظة أن “هذه الإسهامات المجزأة ليست هي التي يجب أن تسترعي الانتباه كثيراً لأنها تجازف بإ

المزيد


نقد ليفي شتراوس للنزعة التاريخية.

أبريل 4th, 2010 كتبها الغيغوشي الحر نشر في , مقالات فلسفية

 

نقد ليفي شتراوس للنزعة التاريخية.

موقع الأستاذ الحسين حريش.


لقد بذل ليفي شتراوس جهودا كبيرة ليثبت بأن الحوادث التاريخية تدور كلها ضمن النسق أو البناء اللغوي الذي ظل موجودا من ألوف السنين. وإن ما تريده جميع البنيات المناقضة للتاريخية ـ حسب جان بياجيه ـ هو وضع أسس ثابتة تشبه الأسس الرياضية التي لا تخضع للزمنية المتغيرة، وهذه الصفة وجدتها البنيوية(3) في اللغة.
استعان ليفي شتراوس بالمنهج اللغوي لـ (دي سوسير) الذي اعتبر اللغة فوق الواقع والتاريخ، فدرسها من حيث علاقتها بأساسها الاجتماعي. ونظر ليفي شتراوس إلى اللغة من حيث هي نتاج لمجتمعها، ولكنه مضى أبعد مما ذهب إليه دي سوسير، فقد استعان بالقوانين التي تتحدد بها اللغة المنطوقة، ليصل عن طريقها إلى أصل العادات والمعتقدات، بل أنه رأى ان أصل كل الظواهر الثقافية التي يتضمنها المجتمع من إبداع اللغة.
واللغة هي شبكة من “الرموز” لا قيمة لها الا من خلال علاقاتها بالعبارات أو الجمل الأخرى. فتصور ليفي شتراوس والبنيويون الآخرون بأن المجتمع يتكون بما يشبه الرموز أو العبارات اللغوية التي لا يمكن معرفة أجزائها الا بواسطة الشكل العام أو الإطار الكلي لذلك المجتمع. لهذا اتخذوا (الانموذج اللغوي) أساسا لمنهجهم لتطبيقه على العلوم الإنسانية كالانثروبولجيا وعلم الاجتماع والادب والتاريخ.. اقتداء بالعلوم الطبيعية التي استخدمت النسق أو التنظيم الرمزي الرياضي الذي يطاول الزمن، والذي مكن الكيمياء والفزياء والطب وغيرها من العلوم الطبيعية من صياغة القوانين الثابتة لموضوعاتها. وبدون هذا الإنموذج، لا يمكن تأسيس علم. فالبنيوية تبحث عن (علم ثابت دقيق). فهي تعتقد بأن عقل الإنسان واحد في جميع مراحل تاريخ البشر، والفارق بين الماضي والحاضر من حيث التطور هو توسيع أفكار اللاحق على السابق. فالبنيويون حريصون على إيجاد العلم الثابت، ولهذا فهم يؤكدون على ان حركتهم هي (منهج علمي) وليست فلسفة أو مذهبا، لأنها إذا كانت كذلك لتعددت مدارسها كما هو حاصل للوجودية والماركسية على سبيل المثال، ولهذا وجدنا الحركة البنيوية تبشر (بالمشروع العلمي) للعلوم الإنسانية على يد كلود ليفي شتراوسـ زعيم البنيوية.
ونستطيع أن نجمل أهداف كلود ليفي شتراوس بالنقاط التالية:
أولا: محاولة إيجاد علم دقيق للعلوم الإنسانية، يشبه نسق قوانين العلوم الطبيعية الثابتة نسبيا، واستعان في محاولة ذلك “باللغة”. وخلال دراسته الانثروبولوجية توصل إلى ان اللغة “ثابتة” بالرغم من تعاقب الأجيال، فهي الإطار الذي يفكر من خلاله الإنسان القديم والحديث، وبهذا وجد أن اللغة هي القانون الذي يفسر المجتمع وتاريخه متأثرا بـ (دي سوسير) الذي قال: “إن بين الأفراد كافة، أولئك الذين يربط اللسان بينهم، بهذا الشكل، نوعا من المعدل الوسطي إذ إنهم دون أي شكل يعيدون ويكررونـ ليس تماما وبالشكل نفسه، وانما بشكل تقريبيـ العلامات ذاتها مرتبطة بتصورات واحدة”(4).
ثانيا: حاول ليفي شتراوس أن يثبت أن التاريخ ساكن نسبيا، لأن العقل البشري واحد في جميع العصور، حيث إن كل عقل “مبرمج” (يشبه العقل الالكتروني) وليس هناك فرق جوهري بين العقل البدائي والعقل المتحضر.
ثالثا: الرد على النظرية القائلة بتقدم المجتمع البشري بصورة متدرجة من أدنى إلى أعلى، محاولا أن يثبت بأن التاريخ ثابت نسبيا، وأنه ليس متدرجا كالسلم في صعود مستمر، بل شبيه بحركة فرس الشطرنج.
العقل الإنساني واحد [ثابت]:
يرى ليفي شتراوس بأن العقل البشري واحد، وأن التفكير الأسطوري ليس تفكيرا سابقا على المنطق(5)، بل أنه تفكير منطقي، على المستوى المحسوس، يتضمن مقولات تجريبية مثل (النيء والمطبوخ، الطازج والفاسد… الخ) وهذه أدوات تصويرية تستخدم لاستخلاص أفكار مجردة، فالتفكير الوحشي يشكل مع التفكير المتحضر علاقات زمالة لا علاقات تدرج أو تفضيل.
حاول ليفي شتراوس أن يثبت أن عقل الإنسان واحد في كل مكان وزمان، وذلك عن طريق دراسته للاساطير المختلفة لقبائل الهنود الحمر بأمريكا الجنوبية، فوجد أن أنساق القرابة، كما في العادات والمعتقدات وفي الأنساب في جميع الأساطير”متشابهة”، وكلها رمزية. وعلى هذا لا يمكن دراسة انساق القرابة بالملاحظة التجريبية المباشرة وحدها، بل إن الدراسة السليمة تتم عن طريق مجموعة العلاقات الرمزية. هذه العلاقات الرمزية الموجودة في اللغات والثقافات متشابهة في الكيفية التي تقص بها المجتمعات القبلية أساطيرها. إن هذا التشابه يدل على أن العقل البشري واحد في أصل التفكير في جميع الأزمنة. فالمجتمعات القديمة تعبر عن أفكارها ومشاعرها عن طريق الأساطير باعتبارها رموزا ولغة، فلا يمكن فهم الأساطير الا باعتبارها “لغة” أو لغات رمزية، تمثل نظاما متسقا من المقابلات مثل (النيء والمطبوخ.. الخ) كما ذكرنا، فالأفكار القديمة هي نفسها تتولد في عقل الإنسان الحديث، ولكنها توسعت ونمت. فهناك بذور واحدة في عقل الإنسان، القديم والحديث، وكل ما يفعله الان هو انه ينمي تلك البذور القديمة ويوسعها بطريقة جديدة. ففكرة التطور البيولوجي عند (لوكريتس كار)(6)، وفكرة الذرة عند (ديمقريطس) عرفت قبل أكثر من ألفي عام تقريبا.
ولما كان العقل البشري واحدا، أصبح من الممكن عن طريق الإطار أو النسق العقلي تفسير جميع بنيات المجتمعات المختلفة. «إن كل تقدم يظل محتفظا بالنواة المركزية، مع إعادة تفسيره وفقا لمقتضيات العصر. وهكذا يمكن القول ان نوع التقدم الذي تعترف به البنيوية هو ذلك الذي يرى أن طريق المستقبل يمر بالماضي، وأن الوصول إلى الغد يتم من خلال مراجعة ما تم بالأمس. فإن البذور القديمة موجودة دائما، وكل ما نفعله هو أننا ننميها بطريقة جديدة»(7).
وهذا لا يعني بأن ليفي شتراوس لا يعترف بوجود اختلاف بين “التفكير القديم” أو “التفكير الوحشي” وبين “التفكير العلمي” أو “التفكير المتحضر”، إلا أنه يقول بأن هناك منطقا واحدا للتفكير الأسطوري والتفكير العلمي، فالإنسان قد فكر دائما بنفس القدر من القوة والإمعان، وليس هنالك اختلاف جوهري بين القدرة، إنما لكل منهما طبيعته الخاصة، وأن الاختلافات ثانوية، تعني الأنماط الظاهرية فقط.
وقد أخطأ المؤرخ الأوربي حين نظر إلى تاريخ الإنسانية مثل نظرته إلى التطور البيولوجي، فنظر إلى الثقافات على أساس التطور التدريجي.
إلا أن ليفي شتراوس رأى بأن الثقافات المختلفة تسير في اتجاه “موازٍ”(8) لثقافتنا المعاصرة، التي تبدو لنا تجميعية (تراكمية)، بينما الثقافات الأخرى جميعا سكونية (ثابتة)، وليست بالضرورة هي كذلك، ولكن لأن تطورها لا يعني شيئا بالنسبة لنا. فالثقافات “متوازية” ومتزامنة، “ليس مستبعدا أن الأنماط الأكثر تنوعا للبشر قد تعايشت في الزمن، إذا لم تكن قد تعايشت في المكان”(9) فمعرفة الإنسان لها جذور واحدة، وأفكار الإنسان القديم موازية لأفكار الإنسان المعاصر، مع فارق في نمو وتوسع أفكار الثاني.
هل أن مسار التاريخ متدرج؟
يهدف ليفي شتراوس إلى التخلي عن كثير من المفاهيم والمبادئ التي يعتبرها المفكرون الأوربيون حقائق يقينية أو مسلمات، كفكرة تطور التاريخ، وفكرة وحدة الإنسان والتاريخ، والتفكير العلمي. فقد نظر هؤلاء إلى التاريخ باعتباره “متدرجا” وفي تقدم دائم من أدنى إلى أعلى، والتفكير العلمي في رأيهم مرحلة متقدمة في مقابل “السحر والأسطورة”، ووحدوا كذلك بين الإنسان والتاريخ.
يقف ليفي شتراوس في كتابه “الفكر المتوحش” وهو اللفظ الذي يطلق على تفكير الإنسان البدائي، موقفا رافضا تقريبا للتاريخ، لا من حيث أن التاريخ دراسة الماضي أو دراسة الأحداث البشرية الماضية، بل من حيث هو “مقولة فلسفية كبرى” كانت لها أهمية عظيمة في القرن التاسع عشر.
إن نقد ليفي شتراوس لفكرة (التطور التاريخي) لا تعنى أنه يرفض العلوم المعاصرة، من أجل إنقاذ “الفكر المتوحش”، بل لديه ثقة مطلقة بما وصل إليه “العلم المعاصر” الذي أصبح قادرا على معرفة العالم بصورة واضحة. ولكنه ينتقد فلاسفة التاريخ والمفكرين الذين تحيزوا إلى “التاريخ” فوقعوا في الأوهام. إنه يرفض التصنيفات التقليدية للتطور أو التقدم في تاريخ الحضارات البشرية، التي تقول بأن التاريخ مطرد، وفي تقدم دائم نحو الأمام. وهذه هي فكرة أصحاب “المذهب التاريخي” الذي يهدف إلى معالجة العلوم الاجتماعية، والوصول إلى قوانين في إمكانها أن تتنبأ بالمستقبل أو ما يسمى “بالتنبؤ التاريخي”، هذا المذهب يدرس القوانين التي يسير التطور التاريخي وفقا لها. وكان لهذا التصور تأثير كبير على المجتمعات وسياساتها منذ هيرقليطس إلى أفلاطون وهيجل وماركس.
إن أصحاب “المذهب التاريخي” يعتقدون بأن البشرية في تقدم دائم، وفي صعود مستمر نحو الأمام، وهذا التقدم ناتج عن الاستفادة من الأخطاء، التي يتم التخلص منها على مر الزمن لتصل البشرية إلى مستوى أرفع وأرفع، وبموجب هذا الرأي، فإن البشرية قادرة على الوصول إلى الكمال. ويبدو أن الدافع لهذا التصور هو التأثر بالتطور الذي شهده الإنسان في الصناعة والعلوم الطبيعية في قوانينها. وعلى هذا، تصور فلاسفة التاريخ بأن الحضارات البشرية مرت في تطورها بمراحل متدرجة من البدائية إلى المتحضرة وسترتقي أكثر في المستقبل.. أوضح مثال على ذلك (التفسير الماركسي) للتاريخ، فالماركسية ترى بأن المجتمع الإنساني قد بدأ من المشاعية إلى العبودية، ثم الإقطاع، والبرجوازية وثم الرأسمالية وبعدها الاشتراكية، والشيوعية في نهاية المطاف. وكل مرحلة من مراحل المجتمع هي أرقى من سابقتها وأكثر تعقيدا ي تنظيمها، وهذا الرقي أو التطور نحو الأحسن “حتمي”، وفي التفسير الماركسي، وأنه يشمل الجنس البشري كله، وهو يحدث بسبب “الصراع بين الطبقات الاجتماعية”.
وفي هذا الصدد، نشير إلى رفض “كارل بوبر” للتفسير المتدرج للتاريخ على أساس أنه علم يساعد على التنبؤ بالمستقبل بقوله: “فالتاريخ الذي يريد التاريخيون اعتباره وعلم الاجتماع شيئا واحدا، لا يعود ببصره إلى الماضي فحسب، بل يلقي به أيضا إلى المستقبل، وعلم التاريخ بهذا المعنى يدرس القوى المؤثرة بوجه عام، وقوانين التطور الاجتماعي بوجه خاص”(10). فمن الصعوبة “إمكان قيام علم تاريخي اجتماعي يقابل علم الطبيعة النظري. ولا يمكن أن تقوم نظرية علمية في التطور التاريخي تصلح أن تكون أساسا للتنبؤ التاريخي”(11).
وما يشبه هذا، يعتقد “أشلي مونتاغيو” بأن العمليات التطورية لا تسير في خطوط مستقيمة، من الأدنى إلى ما هو أكثر تطورا، بقوله: “إن مفاهيمنا حول التقدم والتطور والنشوء تجعلنا نفترض تلقائيا أن ما تطور بعد غيره في الزمن لا بد لهذا السبب ان يكون أكثر تقدما ورقيا مما تطور قبله. ثم قادنا هذا إلى استنتاج منطقي هو أن ما كان أقل تطورا لا بد أنه جاء قبل ما هو أكثر تطورا، لذا كان الأقدم أكثر (بدائية) والأحداث أكثر (تقدماً)”(12).
يريد ليفي شتراوس أن يصل إلى أن فكرة التدرج في الترقي الحضاري في التاريخ ليست صحيحة، ما دام العقل الإنساني واحد في جميع العصور وفي جميع المجتمعات.
إن النظر إلى التاريخ على أنه متدرج لا يمكن تقريره بسهولة. صحيح أن العربات التي تدفع باليد أكثر بدائية من العربات التي تجرها الخيول، وهذه الأخيرة أكثر بدائية من السيارات، ولكن من الصعوبة تطبيق نفس السياق على الحضارات البشرية، أي ان ليفي شتراوس لا يوافق على التفسير القائل بأن المجتمعات التي توصف بالبدائية “متدنية” في تفكيرها ومن ثم ارتقت البشرية انطلاقا منها ثم ارتقت إلى ما هي عليه الآن، وبالرغم من أنه لا ينكر وجود م

المزيد


الأخلاق والدين

أبريل 4th, 2010 كتبها الغيغوشي الحر نشر في , مقالات فلسفية

 

الأخلاق والدين

 بقلم محمد المزوغي  

هل يمكن تأسيس الأخلاق على الدين؟ وهل أنّ للدين دورا محدّدا في تهذيب المعاملات الإنسانية وتحسينها؟

يبدو أنّ الإجابة عن السؤال الأوّل، من وجهة نظر فلسفية، هي بالسلب. لقد كتب أرسطو أخلاق نيقوماخوس، ولم يُعرّج بتاتا على أيّ من النصوص الدينية اليونانية، لم يربط في أيّ موضِع من مواضع كتبه بين الفضيلة، التي هي دعامة العمل الأخلاقيّ، وبين التعاليم الدينية. الفضيلة هي وسط بين إفراط وتفريط، أو بعبارة أخرى، الفضيلة هي فعالية إنسانية في منبعها، وإنسانية في غايتها. وفقط عن طريق الفضيلة، وعلى رأسها الفضيلة النظرية، يمكن للإنسان أن يحقّق السعادة في هذه الحياة الدنيا. لكنّ الفضيلة، بالنسبة للمؤمن، غير مكتفية بذاتها، ولا تستنفد العمل الإنسانيّ، لأنّ مرجعيتها وغايتها هي طاعة الله والقيام بأوامره. الأساس الذي تقوم عليه هذه النظرة للأخلاق، هو أساس لاهوتيّ، من حيث التصديق بوجود إله ما، ذي صفات وأفعال معيّنة، ثمّ بوجود رجال خارقي العادة، اجتبتهم العناية الإلهية، من دون البشرية كافّة، ولأسباب لا نعلمها، بحيث أنّ هذا الإله، المفترض وجوده، اصطفى منهم مجموعة مصغّرة جدّا لكي يُنزل عليهم وحيه ورسالته، ولكي يبثّوا هم بدورهم في بني جنسهم هذه الرسالة.

إذا تصفّحنا جوهر هذه الرسالة، دون الدخول في نقاش معمّق لقاعدتها اللاهوتية (والتي بدت للعديد من الفلاسفة غير صامدة أمام الفحص العقلانيّ)، فإننا سندرك مدى تناقضها، بل ومدى منافاتها لأسباب أسس التعايش السلمي بين البشر. الصعوبة المحورية في منظومة الأخلاق الدينية، والتي ربّما قد أعطت للشكّاك سببا مدعّما لنفورهم من الدين جملة وتفصيلا، هي التقسيم المانويّ للبشرية إلى ناجين وهالكين: الناجون هم الذين اتّبعوا تعاليم الدين الذي بشّر به هذا النبيّ أو ذاك، والهالكون هم باقي الإنسانية في جميع الأقطار والأزمان. أمّا أولئك الذين عارضوه أو قاوموه فإنّهم خارجون عن السراط القويم، ويحقّ لأصحاب الدين الجديد قتلهم وإبادتهم. في إطار هذه النظرة المانوية للأشياء فإنّ مفهوم الإنسانية، الذي من المفروض أن يكون متعاليا على أعراض الملّة والاعتقاد، يفقد من معناه، ويحلّ محلّه تصوّر نظريّ وعمليّ انتقائيّ، إقصائيّ، يُحابي الناس أو يعاديهم على أساس المعتقد، وليس على أساس الفعل والقصد. النتائج العملية لهذا التقسيم كانت في الماضي، وهي في الحاضر، وستبقى إلى الأبد ـ ما دامت هناك أديان ومعتقدات تعتمد الإقصاء كمنهج ـ جدّ كارثية، سواء في إطار المجتمع الواحد، أو على نطاق الإنسانية بأسرها. فمنظومة الأديان لا تكتفي بالالزام الفرائضي الذي هو تعذيب للنفس وقهر لها، دون مبرّر معقول أو غاية سليمة، بل إنها تستثير في الإنسان طاقة عدوانية موجّهة كلّها ضدّ المختلف المغاير (الكافر، المشرك، الصابئ، حسب القاموس الإسلامي) لقهره (هَديه) أو تدميره (غزوه). التاريخ يثبت بما فيه الكفاية أنّ الأديان، وعلى رأسها الأديان التوحيدية الثلاثة، التي اعتمدت التعصّب والانغلاق، وادّعت بأنّها تمثل إرادة الله على وجه الأرض، هي التي قامت بالحروب وقتلت الأبرياء وسبَتْ وعذّبت.

إذن من وجهة نظر موضوعية، التاريخ وحده، إذا تفحّصنا أحداثه العينيّة، يدحض دون رجعة أيّ ادّعاء بأنّ الإنسانية لو رُبِّيت تربية دينية، لحسن حالها ولفازت بالخلاص في الدنيا (وفي الآخرة).

لكنّ بعض مفكّرين ولأسباب عديدة، لا يطيقون نزع مشروعية العنصر الدينيّ من حياة البشر، وحتى إن اقترحوا أخلاقا دنيوية، فإنهم لم يذهبوا بها إلى مداها الأقصى، فبقيت القضية عندهم معلّقة، أو بالأحرى متأرجحة بين التعالي والمحايثة، بين الدينيّ والدنيويّ، دون البتّ الواضح في أيّ من طرفي المعادلة.

يحاول كاتب هذه السطور، في هذا المقال تتبع العلاقة المتوتّرة بين الأخلاق والدين من خلال قراءة لبعض نصوص الفليسوف الألماني عمانويل كانط، ومناقشة جانبا من أطروحاته الأخلاقية بالمقارنة مع فلاسفة التنوير والماديين الفرنسيين، وهذه المقارنة اتّخذناها كمثال إجرائيّ لتبيين صعوبة التوفيق بين التعالي والمحايثة لبناء أيّ منظومة أخلاقية.

***

« الأخلاق، نظرا إلى أنّها مَبنيّة على مفهوم للإنسان ككائن حرّ يَخضع، بما هو كذلك وبواسطة عقله إلى قوانين لامشروطة، لا تحتاج إلى فكرة كائن آخر متعالٍ على الإنسان، لكي يَعرِف واجباته، ولا تحتاج إلى وازع مغاير للقانون ذاته، كي ينفّذه(1)».

هذه أولى الكلمات التي صدّر بها كانط كتابه " الدين في حدود مجرّد العقل"، وهي كلمات تقريرية مُعتدّة وواثقة من نفسها قد تَصدم لأوّل وهلة القارئ المؤمن. لا، بل إنّ كانط يُوبّخ هذا الأخير ويُحمّله المسؤولية لبحثه عن ركيزة نظرية لأفعاله خارج القانون الأخلاقيّ ذاته: «الذنب يعود للإنسان ذاته إذا شعر في نفسه بحاجة من هذا القبيل، والتي لا شيء ولا أحد يمكن أن يوفّرها له: كلّ ما لا ينبع من الإنسان ذاته ومن حريته، ليس قادرا، فعلا، على تعويض نقصه الأخلاقي».

الأخلاق، في نهاية المطاف، لا تحتاج أبدا (سواء من جهة موضوعية، بحسب الإرادة، أو من جهة ذاتية، بحسب القدرة) إلى الارتكاز على الدين، لكنها تكتفي بذاتها بفضل العقل الخالص العمليّ(2).

القوانين الأخلاقية، كما يراها كانط، هي قوانين مُلزِمة بفضل صورتها البسيطة، التي تتمثّل في المطابقة الكلّية بين الشرط النظري والتحقيق العمليّ، وهذه الصورة البسيطة هي الشرط الأَسمى لكلّ الغايات. وبالجملة فالأخلاق ليست بحاجة إلى أيّة علّة مادّية محدِّدة للإرادة الحرّة (keines materialen Bestimmungsgrundes). ومَنْ يطلب غاية خارجة عن الواجب الأخلاقي فهو، في نظر كانط، إنسان خسيس (ein Nichtswürdiger).

يبدو، من وجهة نظر عمليّة، أنّ انتزاع الفعل الأخلاقيّ من الدين هو أمر محمود لأن جلّ الفلاسفة عارضوا الفكرة السائدة؛ أنّ الفضيلة تكمن في اتّباع تعاليم الدين، وأن الحلال والحرام والمباح والمحظور هي كلّ ما يتطابق مع تعاليم الشرائع وما جاءت به الكتب المدعوّة مقدّسة.

وهذه، فعلا، نقطة سلبيّة على حساب رجل اللاهوت والإنسان المؤمن بصفة عامّة؛ وقرّاء كانط، كانوا ولا زالوا إلى يومنا هذا ينقسمون إلى قسمين: المؤمنون والملحدون. بتلك الكلمات يحوز كانط على مصادقة الفيلسوف العقلاني اللامتديّن الذي يرغب في الاكتفاء بنفسه، سواء من حيث إنتاجه النظريّ المعرفيّ أو إنتاجه العمليّ، أي سنّ قوانين الإجتماع وتسيير نشاطه العمليّ. لكنّ خطاب كانط هذا لا يحظى هو نفسه بتزكية رجل اللاهوت والإنسان المؤمن على وجه العموم، لأنّه يعتبر الإرادة الإنسانية ناقصة لا بدّ لها من إطار مرجعيّ متعال يوجّهها، أي لا بدّ لها من وحْي صادق منزّل من السماء على غراره يَستمدّ شرائعه ويُسيّر أعماله.

لكنّ كانط لم يتمسّك، بأطروحته أعلاه، ولم يذهب بها إلى مداها الأقصى: لقد حدّ من خطورتها، بل انقلب عليها وتبنّى نقيضها. مثلما فعل في نقد العقل الخالص، بعد أن سدّ الأبواب أمام أيّ تعقّل ممكن للكيانات الغيبية الدينية من وجهة نظريّة بحتة، أعاد تأهيلها على المستوى العمليّ، وجعل منها ركيزة الفعل الأخلاقيّ، فإنه هنا أيضا يعود أدراجه ويتدارك الموقف: الأخلاق لا تحتاج إلى تمَثّل أيّة غاية ( keiner Zweckvorstellung ) تؤسّسها أو تسْبق تعيين الإرادة (Willensbestimmung). هذه هي الأطروحة المركزيّة والمبدأ الموجّه في النظرية الأخلاقية لكانط؛ الأطروحة النقيض تقول: الأخلاق لها «علاقة ضروريّة ( eine notwendige Beziehung habe ) بغاية مُتمثَّلة(3)»، وأشدّد هنا على كلمة ضروريّة لأنّ كانط نفسه يؤكّد أنّ الإرادة العمليّة، لا تتحدّد معالمها ولا تستقرّ إن لم تكن هناك غاية ما. والعقل لا يمكن أن ينتهج نهج اللاّمبالاة أمام هذا السؤال: ما النتيجة التي نخلص إليها عند قيامنا بعمل سويّ ما؟ وما الغاية التي نصبو إليها لتكييف تصرّفاتنا طبقها؟ الجواب هو في انسجام مع توجّهات كانط التي وردت من خلال نقد العقل الخاص ونقد العقل العملي، هذه الغاية لا يمكن أن تكون إلاّ «فكرة موضوع (Idee von einem Objekte) يحتوي في ذاته، موحّدة جميعا، على (أ) الشرط الصوري لكلّ الغايات التي ينبغي حيازتها (الواجب) وفي نفس الوقت، (ب) كلّ التشريطات المتوافقة مع تلك الغايات التي تُحرِّكنا (السّعادة المتطابقة مع القيام بالواجب)؛ إنّها فكرة خير أسمى في العالم (Die Idee eines höchsten Gutes in der Welt)، ولأجل إمكانيّته فإننا مضطرّون لافتراض كائن (Wesen) أخلاقيّ متعال، مقدّس، قدير، بحيث إنّه الكائن الوحيد الذي يجمع هذين العنصرين المكوّنين(4)».

إنّ فِكرة وجود هذا الكائن ليست فكرة خيالية وفارغة من أيّ محتوى، فهي، كما يؤكّد كانط، ليست بفكرة خاوي (leer، دون أية استتباعات نظرية أو عملية، ويكفي للوعي بدلالتها المهمّة في حياتنا العمليّة، أنها تُسعفنا في حاجيّاتنا العينية، وترشدنا لتوجيه أفعالنا نحو غايات مُثلى.

لقد احتار المعلّقون أمام هذا التراجع، أو ربّما التناقض الكانطي الصارخ. البعض منهم رأى فيه خطابا يغلب عليه طابع اللاهوت الإيمانيّ البروتستانتيّ، وهو في جوهره متَطابق مع تعاليمه الواردة في النقدين الأول والثاني، ولكنه يصبّ دائما في مصبّ التعاليم الدينية. فعلا، هذه الاستنتاجات ليست مجانبة للصواب لأنّ رأي كانط الصريح يدعّمها: «الأخلاق إذن تقود ولا بدّ (unumgänglich) إلى الدين، الذي بواسطته ترقى إلى فكرة مُشرّع (Gesetzgebers) أخلاقيّ خارج الإنسان، بحيث تكمن في إرادته تلك الغاية القصوى (خلق العالم) التي، في نفس الوقت، يمكن ويجب أن تكون الغاية القصوى للإنسان(5)».

الأخلاق بما تحمله من اعتراف بقدسيّة قانونها واعتباره كموضوع يستحقّ الإجلال، ثمّ الدين، بدوره، حينما يعترف بذاك السبب الأسمى ـ كمشرّع لتلك القوانين ـ وموضوع للتقديس، هما في انسجام تامّ ويبرز أحدهما عظمة الآخر.

***

نحاول الآن الرجوع خطوة إلى الوراء والنظر إلى المسألة من منظور الفلاسفة التنويريين الفرنسيين. السؤال: ما هو الشرط الأساسي لبناء أخلاق إنسانية بحتة والقطع النهائي مع المرجع اللاهوتي؟ ليس هناك من شكّ في أنّ الشرط الأساسي والأهمّ لانتزاع الأخلاق من الدين هو الارتكاز على مبادئ فلسفة مادية. ا

المزيد


فرويد، واليهوديّة والصّهيونيّة.

أبريل 4th, 2010 كتبها الغيغوشي الحر نشر في , مقالات فلسفية

فرويد، واليهوديّة والصّهيونيّة

 بقلم سعدي الأخضري  

ترجمة : محمد الحاج سالم

لم يكن النّزاع الفلسطيني الإسرائيلي ليستثني مجال البحث ولا مجال التّحليل النّفسي. فقد كانت رسالة بعث بها فرويد إلى الدكتور حاييم كوفلر (Chaim Koffler) (1) مدير منظّمة كيرين ها يسود (Keren Ha-Yesod) في القدس بتاريخ 26 فبراير/شباط 1930 مصدر جدال شرس وجد فيه مدير متحف فرويد في لندن، مايكل مولنار (Michael Molnar)، نفسه - من خلال ترجمته لها- متّهما بالدّعاية لفائدة الفلسطينيّين. وعلى الإثر، تمّ وضع ترجمة ثانية على موقع المتحف مصحوبة بردود فعل متنوّعة بما فيها ردّ للمحلّلة النّفسيّة النّيويوركيّة يهوديت يونغ (Yudit Jung)(2). وقد كان هذا الحادث كاشفا للأهواء التي قد يستثيرها كلّ ما يمتّ بصلة من قريب أو من بعيد بإسرائيل وبفلسطين، وهو ما نتمنّى أن يصار إلى تحليله في أحد الأيّام تحليلا عميقا وبكلّ رباطة جأش. لقد أضحى موقف فرويد - الذي فسّر بأشكال مختلفة - فجأة أمرا أساسيّا لدعم هذا الطّرف أو ذاك، وهو ما جعل إعلان فرويد عدم ميله لأيّ التزام عاطفيّ ورفضه التعصّب لطرف دون آخر، يذهب أدراج الرّياح. فما يهمّ هو إيجاد مرجعيّة يستند إليها كلّ طرف لاتّخاذ موقف صريح، حتّى ولو كان ذاك الموقف على طرف نقيض مع الفكر الفرويديّ ذاته. ولعلّ ما يزيد في غرابة ردّة الفعل هذه، أنّ فرويد كان طوال حياته شديد الوضوح في ما يتعلّق باليهوديّة والصّهيونيّة: منذ رسائله الأولى إلى خطيبته مارتا بارنيز (Martha Bernays) وصولا إلى آخر أعماله الرّئيسيّة موسى الإنسان والدّين التّوحيدي المنشور سنة وفاته عام 1939. ففي هذا الكتاب، الذي حيّر الكثير من قرّائه، حاول فرويد البحث عن جذور تبنّي التّوحيد من قبل الشّعب العبريّ الذي نسب ذلك إلى رجل عظيم، هو موسى، مفترضا أنّه كان مصريّا وأنّه قام بفرض ديانة جديدة على العبريّين مقتبسة من ديانة إخناتون بعد وفاته. ولعلّ هذا الكتاب هو حقّا تفكير شخصيّ حول تماهيات كاتبه اليهوديّ، لكنّه الملحد أيضا، في علاقته بالمشاكل الكأداء التي يطرحها أصل الدّيانة اليهوديّة والذي يفضي اليوم كما على عهد فرويد إلى طرق شبه مسدودة. إنّه تفكير مرتبط ارتباطا وثيقا، كما سنرى، بإشكاليّة العبقريّة والتّأثير الذي يمارسه الرّجال العظام على شعوبهم، ويفضي إلى اعتبارات نظريّة في غاية الأهمّية بالنّسبة للجغرافيا السّياسيّة، لأنّها تمسّ مشكلة التمثّلات الواعية واللاّواعية، والتّرابط بين علم النّفس الفردي وعلم نفس الجموع.

رسالة فرويد إلى حاييم كوفلر:

كانت رسالة فرويد إلى حاييم كوفلر موجزة ومتّزنة (3). وكان واضحا من خلالها افتخار فرويد بأن يتوجّه إليه باعتباره شخصيّة يهوديّة بارزة، ولكنّه رفض التّوقيع على العريضة التي تدين الانتفاضات العربيّة لعام 1929 والتي قتل فيها مئات من اليهود، وصرّح بعدم قدرته على إبداء تضامنه بسبب حياد مواقفه التي لا يمكنها إلهاب الحشود أو اجتذاب تبرعّات الأغنياء، وهو ما كان من الأهداف الرئيسيّة للمنظّمة الصّهيونيّة المسؤولة عن تمويل المستوطنات في الأراضي المقدّسة. كما أعلن فرويد بوضوح أيضا تعاطفه مع القضيّة الصّهيونيّة مستخدما بطريقة معبّرة ضمير المتكلّم في الجمع كي يشير إلى جامعة القدس التي يشغل أحد مناصبها، ولكنّه استخدم ذلك أيضا عند ذكره المستوطنات اليهوديّة في فلسطين. بيد أنّه لم يكن يعتقد بأنّ مشروع الدّولة اليهوديّة قد يكون واقعيّا، لاستحالة أن يتّفق المسيحيّون والمسلمون على أن توكل الأماكن المقدسة للدّولة الجديدة، وهو ما كان فرويد مصيبا بشأنه. أمّا الحلّ الذي سبق طرحه من قبل هرتزل، والقاضي بتأسيس وطن قوميّ على أرض أقلّ ثقلا من النّاحية التّاريخيّة، فقد بدا له أكثر معقوليّة رغم عدم واقعيّته بسبب عجزه عن تأجيج حماس المستوطنين والجهات المانحة السخيّة. ومن المهمّ هنا أن نلاحظ أنّ فرويد لا يدين المشروع في ذاته، ولا يشكّك في شرعيّته، لكنّه يرى استحالة تحقيقه. وفي هذا الصّدد، لا مندوحة من الإشارة إلى أنّه سبق لفرويد الحديث في كثير من الأحيان بشأن الشّعب اليهودي أو العبريّ، وأنّه صرّح خلال محادثة مع جيل دو لا توريت (Gilles de la Tourette) في باريس، حين ذكر أمامه إمكانيّة قيام حرب كبرى بين فرنسا وألمانيا، بأنّه يهوديّ، نافيا أن يكون ألمانيّا أو نمساويّا (4).

وتشهد جميع مراسلات فرويد على أنّه كان يشعر دائما بأنّه يهوديّ دون أن يكون متديّنا أو مؤمنا، وأنّ هذا الشّعور الرّاسخ بالانتماء للطّائفة اليهوديّة كان يمنعه من الوقوع في أحضان القوميّة الجرمانيّة التي جذبت إليها أكثر من واحد، والتي شعر هو نفسه في بعض الأحيان بانجذاب لاعقلانيّ نحوها. لكنّه رغم هذا الاعتراف بإحدى السّمات الرّئيسيّة لهويّته وحقيقة أنّه لم يكن أبدا خجلا من كونه يهوديّا – وهذه أكبر ميزاته، حسب ما يقول، في نظر اليهود الذين يكرّمونه بوصفه أحد أكبر الوجوه اليهوديّة في عصره -، فإنّه يرفض تبنّي التعصّب الأعمى لأولئك الأشخاص الذين يقدّسون حائط المبكى بوصفه أثرا قوميّا. وهذه النّقطة وإن كانت غير مصرّح بها في رسالته، إلاّ أنّها واضحة تمام الوضوح في أعماله ومراسلاته التي سنتحدّث عنها لاحقا. ولا مندوحة هنا من عقد صلة بين عدم الرّغبة في جرح مشاعر السكّان الأصليّين باستفزازات خطيرة، وتأجيل نشر الجزء الثّالث من كتاب موسى الإنسان والدّين التّوحيديّ عقب الغزو الألماني للنّمسا (l’Anschluss). ففرويد لم يكن يريد الإساءة إلى الكاثوليك وخاصّة الأب شميدت (Schmidt)، مؤرّخ الأديان ذي الحظوة عند الفاتيكان وفي إيطاليا الموسولينيّة، والمعارض بشدّة لآرائه. لقد رأى بحقّ في الكاثوليك الذين كانوا يضطهدون اليهود سابقا، حليفا محتملا لمكافحة الهمجيّة النّازيّة، مقدّرا أنّ كلتا الدّيانتين مستهدفتان في الواقع من قبل الأنظمة الكلّيانيّة الجديدة. هذه هي الحكمة والواقعية: فكلّ موقف غير محسوب يمكن أن يؤدّي أيضا إلى حصول تداعيات سلبيّة على ممارسة التّحليل النّفسي في النّمسا كما في إيطاليا. وقد نشر فرويد سنة 1939 كتابه حول موسى في أمستردام بعد عودته من منفاه في لندن وبعد أن استعاد التّفكير بحريّة، كما يقول. وتشرح رسالة سابقة كتبها سنة 1926 وموجّهة إلى إنريكو موريللي (Enrico Morelli) موقفه بدقّة. لقد أشار فيها إلى كتاب موريللي "التّحليل النّفسي (psicoanalisi) المنشور سنة 1926 في تورينو وخاصّة إلى كتيّبه بشأن المسألة الصّهيونيّة بالقول:

"لقد سرّني أن أرى مدى التّعاطف والإنسانيّة والتفهمّ الذي ميّز موقفكم من هذه القضيّة التي تتنازعها الأهواء البشريّة، وهو ما يضطرّني إلى شكركم شخصيّا. وأنا لا أعرف مدى حجّية اعتباركم التّحليل النّفسي نتاجا مباشرا للعقل اليهوديّ، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فهو لن يخجلني. فرغم انفصالي منذ فترة طويلة عن دين أسلافي، فإنّني لم أفقد البتّة الإحساس بالتّضامن مع شعبي، وأنا أنظر بارتياح إلى ما قلتموه حول تتلمذكم على رجل من بني جنسي هو العظيم لامبروزو (Lombroso)(5).

وهذا الشّعور بالتّضامن هو ما سيتّضح بكلّ جلاء في وقت لاحق حين سيكتب فرويد إلى ماكس إيتنغتون (Max Eitington) المتتبّع وأسرته لـ "الأنباء بشأن ما يحدث في الأراضي المقدّسة" التي كانت آنذاك مسرحا لاضطرابات كبيرة. إلاّ أنّ فرويد حاول أيضا وبصفة دائمة تحديد ماهيّة الشّيء الذي يشكّل الجوهر الغامض لما يجمع بين اليهود، ذلك الشّيء الخارق والعصيّ عن التّحديد "والذي ما يزال حتّى الآن بمنأى عن التّحليل الذي هو من سمات اليهودي" (6).

يهوديّة فرويد:

لن أطيل الكلام حول هذا الشّعور القويّ بالانتماء عند فرويد، فهو أمر ثابت ويظهر في مناسبات عديدة في مراسلاته. لقد عاش فرويد في وسط يهودي لم يتنكّر له أبدا. لقد أشار في رسالة لاذعة وجّهها لأبراهام هارون روباك (Abraham Aaron Roback) بتاريخ 2 فيفري/شباط 1930 إلى أنّ تنشئته لم تكن يهوديّة وأنّه غير قادر على قراءة إهداء الكتاب الذي أرسله إليه، إذ هو مكتوب باللغة العبريّة، ولكنّه يشعر بأنّه كُرّم غاية التّكريم حين وضع اسمه ضمن قائمة عظماء "شعبنا" المذكورة في كتاب "التّأثير اليهودي في الفكر الحديث" المنشور سنة 1929 (Jewish Influence in Modern Thought) (7). و في رسالة موجّهة إلى منظّمة "بناي بريث" (B’nai B’rith) سنة 1926، شكر فرويد إخوانه الماسونيّين لما أبدوه من تعاطف تجاهه في ذلك الوقت ولما قدّموه من دعم باحتضانه حين كان يحسّ بالعزلة وبأنّه خارج عن القانون، وهو ما أتاح له عرض نظريّاته. ونحن نقتبس هنا فقرة طويلة من هذه الرّسالة بما يغنينا عن كلّ تعليق:

"إنّ حقيقة كونكم يهودا لا يمكنها إلاّ أن تسرّني لأنّني كنت أنا نفسي يهوديّا، وقد بدا لي دائما أنّ التنكّر لذلك لا يدخل في باب الدّناءة فحسب، بل هو أيضا وبكلّ صراحة من باب الرّعونة. لم تكن العقيدة هي ما يشدّني إلى اليهوديّة –وهذا ما يجب أن أعترف به- ولا حتّى الاعتزاز القوميّ لأنّني كنت على الدّوام ملحدا. لقد نشأت بلا دين، ولكن ليس دون احترام ما يسمّى المتطلبّات "الأخلاقية" للحضارة الإنسانيّة. ولقد جهدت في كلّ مرّة واجهت فيها مشاعر حماسة قوميّة، في دفعها باعتبارها مهلكة وظالمة، خوفا وفزعا ممّا فعلته الشّعوب التي نعيش بين ظهرانيها، نحن اليهود. ولكن بقي ما يكفي من الأشياء القادرة على جعل جاذبيّة اليهوديّة واليهود أمرا لا يقاوم، كثير من القوى العاطفيّة الغامضة – وهي من القوّة بحيث لا يمكن التعبير عنها بالكلمات- إضافة إلى وعي واضح بهويّة داخليّة، لغز وجود التّركيبة النّفسيّة ذاتها عند كلّ اليهود. وسرعان ما انضافت إلى كلّ ذلك حقيقة أخرى: لقد أدركت أنّني لست مدينا إلاّ لطبيعتي اليهوديّة في اكتسابي الصّفتين اللّتين غدتا ضروريّتين في حياتي الصّعبة. فلأنّني كنت يهوديّا، وجدت نفسي متحرّرا من كثير من الأفكار المسبقة التي تحدّ من استخدام الآخرين لذكائهم؛ وبصفتي يهوديّا، كنت مستعدّا للانضمام إلى المعارضة والتخلّي عن الانشغال بمسألة الاتّفاق مع (الدّهماء)" (8-9).

إنّ فرويد رغم إلحاده يبقى يهوديّا، وهذا ما يطرح بالطّبع مشكلة عويصة لأنّ الاعتقاد في إله واحد هو جوهر اليهوديّة في المقام الأوّل. إنّه لا يقول هنا إنّ معاداة الساميّة التي لا تزال حادّة في القرن التّاسع عشر في ألمانيا والنّمسا-المجر هي ما يجبره تحت طائلة اتّهامه بالجبن على التبرّؤ من قومه ويضطرّه إلى الشّعور بالتّضامن مع "جنسه" أو مع "شعبه" (10). وتشير المراسلات إلى حادثين طالما علّق عليهما فرويد. أولّهما هو تعرّضه لاعتداء داخل قطار من قبل أحد المسافرين قرب مدينة دريسدن لأنّه كان يريد إبقاء النّافذة مفتوحة في عزّ الشّتاء (11). لقد وُصف باليهودي القذر، ولكنّه تحدّى مهينيه وروى القصّة لخطيبته باعتزاز كبير. أمّا بخصوص الثّاني، فيروي كيف تمكّن زميله كارل كولر (Carl Koller) (12) بعد تعرضّه لهجمة مضادّة للساميّة من قبل أحد الجرّاحين من كسب الجولة في نهاية المطاف أمام مدير العيادة، وكيف أجبر على خوض عراك مع المعتدي (13). ولكنّ مطلب التهوّد لا يعود إلى وجود ضغط خارجيّ فحسب، بل هو يتطابق أيضا مع مساءلة للهويّة: إنّ فرويد يعزو عدم انقياده وانعدام الأحكام الفكريّة المسبقة عنده، ومثابرته وحماسه الثّابت، لأصوله اليهوديّة، وهي الصّفات التي يعدّها يهوديّة في جميع مراسلاته (14). وفي رسالة إلى خطيبته بتاريخ 2 فيفري/شباط 1886، يسوق فرويد بفخر رأي بروير (Breuer) حول شخصيّته:

"لقد قال لي إنّه اكتشف فيّ، تحت مسحة خجلي الظّاهري، قوّة عزم وشجاعة. وهذا ما كنت أعتقده دائما، ولكن دون أن أجرؤ على البوح به لأحد. ولطالما بدا لي أنّني ورثت كامل روح التمرّد ومجمل العاطفة التي مكّنت أسلافنا من الدّفاع عن هيكلهم وأنّني أستطيع التّضحية بحياتي بكلّ فرح من أجل قضيّة كبرى" (15).

وقد سبق أن كانت هذه المساءلة ظاهرة بوضوح من خلال رسالة طويلة موجّهة إلى مارتا بارنيز (Martha Bernays) بتاريخ 23 جويلية/تمّوز 1882. فقد تتبّع فرويد فيها في الواقع بطريقة غير مباشرة تطوّر اليهوديّة في الحقبة المعاصرة مستحضرا شخصيّة إسحاق بارنيز (Isaac Bernays)، وهو جدّ مارتا الذي كان رئيسا للطّائفة اليهوديّة في مدينتي هامبورغ وألتونا والذي سبق أن صوّره شيخ يهوديّ متعاطف، كان تلميذه ذات مرّة، في صورة رجل رائع ومستنير مقارنة بناثان الحكيم (Nathan le sage) في مسرحيّة ليسينغ (Gotthold Lessing):

"بما أنّ الدّين قد توقّف عن أن يكون عقيدة جامدة، فقد غدا موضوع تفكير من أجل إرضاء الأذواق الفنية الرّفيعة والمتطلّبات المتنامية للمنطق. وخلاصة القول إنّ سيّد هامبورغ لا يدعو إلى الدّين من أجل قداسته، بل لأنّه يبتهج بالشّعور القويّ الذي يجده في الدّين أو الذي يعزى إليه" (16).

ومع ذلك ينتهي فرويد إلى أنّ تلك "النّماذج التي يشعر فيها شيوخ اليهود بالرّاحة لن تتمكّن من حمايتنا" حتّى لو تمّ تخفيفها، وأنّ الوطن اليهوديّ الذي ينوي إنشاءه سيحتفظ فحسب بشيء جوهريّ هو "الابتهاج بالحياة"، ذلك أنّ اليهوديّ كما أكّد إسحاق بارنيز: "هو الزّهرة الرّقيقة للبشريّة، خُلِق من أجل المتعة، وهو يحتقر جميع أولئك الذين يعجزون عن بلوغها" (17). وقد احتفظ تلميذه، ذاك اليهوديّ الهرم الذي قابله في هامبورغ، بموهبة التلذّذ بتلك المتع التي يهبها الله، وهو ما ينسبه إلى المدرسة القديمة "المرتبطة أشدّ ما يكون بالدّين، دون أن تفصلنا عن الحياة" (18). وهذا هو السّبب في أنّ الي

المزيد


لوثر والضمير المعذب.

أبريل 4th, 2010 كتبها الغيغوشي الحر نشر في , مقالات فلسفية

لوثر والضمير المعذب.

بقلم هاشم صالح  

 

لماذا دخل لوثر إلى الدير؟ لماذا أدار ظهره للعالم بعد أن كان العالم مقبلا عليه؟ لتصفية حساباته مع نفسه يقول البعض. لتطهير روحه والتخلّص من عقده وأوجاعه يقول البعض الآخر. كل ذلك قد يجوز، بل هو جائز حتما. ذلك أنّ لوثر شخص عنده مشكلة، بل ومشكلة كبيرة: فإما أن تحلّه وإمّا أن يحلّها!..هذه هي حقيقة الوضع في المحصلة الأخيرة. كان بحاجة في الواقع إلى هدنة كافية، أي فترة زمنية معينة، لمواجهة انهياراته الداخلية التي لا يعرف سرّها ولا مصدرها. وهل هناك أفضل من الدير وجدرانه العازلة لتحقيق ذلك؟ لقد أدار لوثر ظهره للعالم لأنه لم يكن قادراً على مواجهته آنذاك. هذه هي الحقيقة بكلّ بساطة. لماذا كان محمد يختلي في غار حراء، ومطولا؟

فيما يخص مارتن لوثر كانت موازين القوى مختلّة تماما ولا تسمح له بالنجاح إذا ما أراد الانخراط في العالم فورا. لذلك كان بحاجة إلى هذه الهدنة الطويلة، والتأمّل العميق الذي يشبه الاستبطان الداخلي. فالرجل كان مهموماً ومصاباً نفسياً بحسب اعترافات كل معاصريه، وكلّ الشهادات الموثوقة التي وصلتنا عنه. بل واعترف هو شخصياً بذلك. فقد كان من الأمانة والصدق والجرأة بحيث أنه كان قادرا على أن يعترف بعقده النفسية التي تؤرقه. الشيء المعروف عنه بشكل مؤكّد هو ما يلي: كان الإحساس بالخطيئة والذنب يلاحقه باستمرار أينما حلّ وارتحل. ولذلك كان يلجأ للاعتراف الكهنوتي أكثر من مرّة في الأسبوع، بل حتى في اليوم الواحد. ومعلوم أنّ الاعتراف بالذنوب هو إحدى الشعائر الأساسية في المسيحية. وبعضهم يعتبر التحليل النفسي امتدادا له أو قل علمنة له… ورغم أنه لم يكن قد فعل شيئاً محرّماً ولا ارتكب أيّ جريمة إلا أنه كان يشعر بالخطيئة والذنب بشكل حادّ جدا. كان يعتقد أنه هالك لا محالة وهو مذنب، ولن يستحقّ عفو الله ومغفرته، وأنّ مصيره جهنم وبئس المصير… كان ميله للاعتراف بأشياء لم يفعلها أو بذنوب لم يقترفها شيئا واضحا لديه. كان ميّالاً لاتهام نفسه باستمرار، لجلد الذات، لمحاسبة الذات حساباً عسيراً رغم أنه معزول في دير: لم يقتل، ولم يسرق، ولم يؤذ أحداً. ومع ذلك فإنّه كان يتّهم نفسه بأبشع الأخطاء والذنوب. وقد تحوّل ذلك لديه إلى حالة نفسية مرضية لم يعد يعرف كيف يخرج منها.

من المعلوم أنّه عندما يدخل شابّ ما إلى الدير لأوّل مرّة، فإنّهم كانوا يجبرونه على القيام باعتراف عامّ وشامل أمام أحد رؤسائه من الكهنة. إنّه نوع من جرد الحسابات أو التعرّف على شخصية المنتسب الجديد لسلك الكهنوت. وهذا ما فعله لوثر عن طيبة خاطر، وبكل سعادة. ولكنه أراد تكرار نفس العملية أكثر من مرّة فنهره الكاهن المسؤول عنه وقال له: شيء جيد أن يكون لديك ضمير وأن تحاسب ضميرك، ولكن لا ينبغي أن تبالغ في ذلك. ولكنّ لوثر لم يكن يشبع من الاعتراف بخطاياه الوهمية أو بالذنوب التي تثقل كاهله رغم أنّه لم يقترفها! وربّما كانت ذنوباً صغيرة لا تستحقّ حتى مجرّد الذِّكر أو الاعتراف. فمثلا ما إن ينتهي من الاعتراف أمام أحد الكهنة، ثم يمشي بضع خطوات في الرواق ويقع على كاهن آخر حتى يطلب منه أيضاً أن يعترف على يديه، وهكذا دواليك. كان يستطيع أن يعترف ويعترف طيلة النهار دون أيّ كلل أو ملل ودون أن يشبع.. وهذا دليل على عمق الأزمة النفسية التي كانت تنخر فيه من الداخل. ويبدو أن الكاهن المسؤول عنه والأرفع مرتبة في الدير أدرك بعدئذ عذاب روحه وأنه يعاني من شيء غير طبيعي. فحاول أن يهدّئ من روعه قائلاً: "لماذا لا تثق بالله يا مارتن؟ فالله يدعونا للثقة به والتفاؤل بقضائه وقدره والإيمان بعدالته…". وعندئذ كان يهدأ لفترة قصيرة، ثم يعود إليه قلقه من جديد. كان يتساءل: صحيح أنّ الله يأمرنا بالأمل والتفاؤل بمرضاته، ولكن ماذا نفعل إذا كنا عاجزين عن الأمل؟ لقد كان الشك ينهش قلب لوثر ولا يترك له أيّ بصيص نور أو مخرج. لنستمع إليه يصف حالته تلك:

"أنا أيضاً كنت أريد أن أصبح راهباً تقياً وباراً بالله. وكنت أحضّر نفسي بكل ورع للقداس والصلاة. ولكن رغم كلّ ورعي وخشوعي فإن الشك كان ينهشني من الداخل. فعندما كنت أقترب من الهيكل كنت رجلاً ينهشه الشك، وعندما كنت أعود منه كنت أيضاً رجلاً ينهشه الشك. وعندما ألفظ كلمات التوبة والندم فإنّ الشك كان ينهشني، وعندما كنت أنسى الصلاة فإن الشك كان يلازمني. مهما فعلت كنت ممزقاً من قبل الشك…". في تلك المرحلة من حياته لم يكن لوثر قد وعى بنفسه ورسالته بعد، ولم يكن قد وضع على محك التساؤل والشك جملة كاملة من العقائد المسيحية. كان لا يزال يبحث عن نفسه، عن مخرج من مأزقه الخانق. كان لا يزال يدور في حلقة مفرغة. هذا الرجل الذي ينهش قلبه الشك فلا يترك له مجالاً للارتياح، هذا الرجل المعذب نفسياً حدّ الإنهاك، هذا الرجل المحبط من كل الجهات، هذا الرجل الذي يقف على حافة الانهيار، هو الذي سوف يحسم لاحقا مصير المسيحية الأوروبية. من يصدق ذلك؟

طبيب يداوي الناس وهو عليل؟

بدون شك. بشكل من الأشكال. بالطبع. ولكن بعد أن انتصر على المرض لا قبله، بعد أن ذاق طعم الوحي وعرف لحظة الكشف الأعظم.

كيف حصل ذلك؟ في الواقع لم يتجرأ لوثر على التحدث عن صراعاته الداخلية، عن أزمته القاتلة، إلا بعد أن اجتازها ونجا منها. وهذا أمر طبيعي. فالمصابون نفسياً بمرض ما أو بعقدة مزمنة ومتأصلة يتحاشون عادة التحدث عنها ما داموا واقعين تحت تأثيرها. بل ويحاولون إخفاءها عن الآخرين بشتى الوسائل الممكنة (كيلا يشك الناس في صحة عقولهم، لئلا يتهموا بالجنون، لئلا تنقص قيمتهم في أعين الناس…). ولكن ما إن يشعروا بأنهم قد نجوا أو أوشكوا على النجاة حتى تنطلق ألسنتهم ويتجرؤون على الاعتراف. وهذا ما حصل للوثر. كان ينبغي أن يجتاز مرحلة الخطر كي يتجرأ ويتحدث عنه، أو لكي يعي حجم الخلخلة التي تعرض لها وكادت تودي به. كان ينبغي أن يصل إلى شاطئ الأمان، أن يضع رجله على الأرض اليابسة، الأرض الصلبة، لكي يفتح فمه لأول مرة. كان ينبغي أن يصبح واثقاً من نفسه كل الثقة، لكي يدرك عمق الحفرة (أو الهوّة) التي حاذاها طويلا والتي كاد أن يسقط فيها ثم نجا في آخر لحظة.. فالذي يشرف على الغرق مثلاً لا يدرك حجم الخطر الذي تعرض له في اللحظة التي يكون فيها يتخبَّط داخل الماء ويحاول النجاة بنفسه. فقط بعد لحظات قلائل، بعد أن ينجو ويخرج من الماء، يستطيع أن يقيس حجم الخطر الذي تعرض له.

بعد أن شعر لوثر بأنه قد نفذ بجلده كما يقال، بعد أن أدرك تماماً أنه قد اجتاز مرحلة الخطر الماحق، بعدئذ، وبعدئذ فقط، راح يتجرأ على التحدث عن عذابه النفسي القاتل، هذا العذاب الذي رافقه طيلة خمسة عشر عاماً، والذي انتهى أخيرا بالانفجار الكبير أو بالثورة اللوثرية. بعد أن انتصر لوثر على نفسه، بعد أن صارع التنّين المرعب للعذاب الداخلي وقضى عليه بكلتا يديه، بعدئذ أصبح أقوى رجل في العالم. ذلك أن من مرّ بهذه التجارب الخطرة (أو المهاوي السحيقة) ثم نجا منها بأعجوبة أو بقدرة قادر يتحوّل إلى قوة هائلة لا تقاوم ولا تردّ. وهكذا ينقلب فيه السلب إلى إيجاب، والهبوط إلى صعود، والضعف إلى جبروت. على هذا النحو انطلق مارتن لوثر كالمارد الجبار لكي يحرر المسيحية من أوشاب العصر وتراكمات القرون. قال له أحد أصدقائه مرة بعد أن انتصر على نفسه وعلى أعدائه في آن معا: "أنت محرِّر المسيحية. فأجابه: نعم أنا محرّرها، كنت محرّرها، ولكن كحصان أعمى لا يعرف إلى أين يقوده صاحبه…"1. وربما كان هذا تواضعا منه أو تعبيرا غير مباشر عن الحدس النبوئي الاستشرافي الخلاق الذي يتمتع به العباقرة الذين يبدون ظاهريا وكأنهم يخبطون خبط عشواء. ولكن في الواقع هن

المزيد