كلود ليفي شتراوس مدافعاًً عن التنوع الثقافي في العالم.
الكاتب: محمد
كلود ليفي شتراوس مدافعاًً عن التنوع الثقافي في العالم
بقلم: محمد شاويش-برلين

يلاحظ كلود ليفي شتراوس في كتيبه “العرق والتاريخ” الذي نشرته “اليونسكو” عام 1952 ضمن مجموعة من الدراسات عنوانها “المسألة العرقية أمام العلم المعاصر” أن في المجتمعات البشرية قوى تعمل باتجاهات متعارضة، بعضها يعمل في اتجاه الاختلاف وبعضها في اتجاه التقارب والتشابه، ويقارن ذلك بتغير اللغات، فثمة لغات من أصل واحد تتمايز كالروسية والفرنسية والإنجليزية، وأخرى من أصول مختلفة تطور ملامح مشتركة بسبب الجوار كالروسية والفنلندية –الأوغرية والتركية التي تقترب من بعضها في بعض الملامح الصوتية على الأقل. ويقول بعد ذكر هذه الملاحظة عن تطور اللغات :”عندما ندرس مثل هذه الواقعات- وثمة مجالات أخرى من الحضارة كالمؤسسات الاجتماعية والفن والدين، تقدم واقعات شبيهة بها- ننتهي إلى التساؤل عما إذا كانت المجتمعات البشرية لا تتحدد، نظراً لعلاقاتها المتبادلة بتنوع أمثل لا تستطيع تجاوزه، كما لا تستطيع بعد ذلك النزول تحته بدون خطر.. وهذا الحد الأمثل يتغير تبعاًًًًً لعدد المجتمعات وأهميتها العددية وبعدها الجغرافي ووسائل الاتصال (المادية والفكرية) التي تستخدمها”(1).
ومشكل الاختلاف لا يقتصر على الثقافات المختلفة فهو موجود أيضاًً داخل كل مجتمع.
وفي هذه النقطة أذكر القارئ بالاختلاف في مجتمعاتنا بين الأوساط المدنية والريفية والبدوية، وضمن المدن نفسها إلى آخره..وإن كان هذا الاختلاف بالتأكيد في حالة تغير فبعض الاختلافات يختفي وبعضها يظهر.
ويقول شتراوس إن من الاختلافات ما ينشأ عن العزلة، ومنها ما ينشأ بالعكس عن القرب إذ تفعل في هذه الحالة اعتبارات كالرغبة في التميز والمحافظة على الذات، وعلى هذا فتنوع الثقافات ينتج عن العلاقات بين المجتمعات أكثر مما ينتج عن عزلتها.
وتنوع الثقافات كما يقول قلما فهم على وجهه الصحيح بما هو ظاهرة طبيعية ناتجة عن علاقات مباشرة أو غير مباشرة بين المجتمعات، بل كان الناس يرون فيه تشوها في التكوين أو عاراً، وكان رد فعل البشر تجاه الأشكال الأخلاقية والدينية والاجتماعية والجمالية البعيدة عنهم ردود احتقار واشمئزاز “عادات متوحشين” “لا ينبغي السماح بذلك”، وظهر ذلك في وصف اليونان والرومان للثقافات التي تختلف عنهم بأنها “بربرية” ثم “متوحشة”، ويلاحظ ملاحظة طريفة ن هذا الموقف هو بالذات موقف معظم الشعوب التي تسمى “متوحشة”، إذ ليس عندها مفهوم عن الإنسانية يضم عروقاً وحضارات مختلفة فهي تقصر مفهوم “البشر” على قبائلها أو مجموعتها اللغوية، وتسمي نفسها “الناس” أو “الكاملين” وغيرها “أشرار” أو “مجرمون” أو “قرود”، بل قد تعد الغريب “شبحاً” أو “خيالاًً”، ويورد شتراوس واقعة تاريخية طريفة: في أرخبيل الأنتيل، بعد سنوات من اكتشاف أمريكا، كان الإسبان يرسلون لجان استقصاء للبحث عما إذا كان الأهالي يملكون أرواحاً، أما هؤلاء الأهالي فكانوا يحاولون تغطيس بعض الأسرى البيض في الماء ليتحققوا بواسطة مراقبة مطولة مما إذا كانت جثثهم عرضة للتفسخ!( ص470).
ويختصر شتراوس استنتاجه بعبارة موجزة دالة: “الهمجي هو أولاًً الإنسان الذي يعتقد (بوجود) الهمجية” (ص470)(2).
ويقول شتراوس أن الأديان والفلسفات الكبرى كافحت هذا الضلال، غير أن هذه المكافحة لا تكفي لترد الناس عن النزعة العرقية التي تنتج عن مجرد الملاحظة البسيطة لواقعة وجود أعراق بشرية مختلفة! وقد كان الحل الذي جاءت به النشوئية المزيفة هي عدم الاعتراف بالتنوع الثقافي مع التظاهر بالاعتراف به عبر نظرية تقول بأن حالات الثقافة المختلفة هي مراحل لتطور واحد منطلق من نقطة واحدة ومتوجه في اتجاه واحد، هذه النشوئية الاجتماعية التي تذكر بالنشوئية الداروينية هي أقدم منها عهداًً كما نجد في أمثلة باسكال وفيكو وكونت وكوندورسيه.
ويضرب شتراوس أمثلة كثيرة على خطل النظرة التي تقول بمراحل تطور تقف أوروبا على قمتها ولا تشكل الثقافات الأخرى إلا درجات مرت بها أوروبا سابقاً، مثلاً ترافق تدجين الحيوانات في وروبا مع تطوير الزراعة بخلاف مجتمعات أمريكا القديمة، وهذه الأخيرة استعملت في طورها الزراعي أدوات حجرية على حين استعملت الأولى أدوات معدنية. لا توجد شعوب طفلة وأخرى مراهقة وثالثة ناضجة فلكل الشعوب نفس القدر من التاريخ وإن ظهر لنا أن بعضها “بلا تاريخ”لأننا نجهل هذا التاريخ.
على أن شتراوس يعود لطرح فرضية تميز بين شعوب لها تاريخ تقدمي، اكتسابي يكدس الاكتشافات والابتكارات، وأخرى لها تاريخ ربما كان فعالاً كالأول ويستعمل المواهب نفسها، ولكنه يفتقر إلى الموهبة التأليفية التي هي وقف على الأول “فكل تجديد، بدلاً من أن يضاف إلى التجديدات السابقةوالمتجهة في الاتجاه نفسه، ينحل فيها في نوع من المد المتموج الذي لا يتوصل أبداًص إلى الابتعاد باستمرار عن الاتجاه البدئي”( ص478).
بعد ذلك ينطلق شتراوس لمعالجة “فكرة التقدم” ملاحظاً أن مخططات العلماء التي كانت سائدة مطلع القرن العشرين (قبل خمسين سنة من كتيبه) السائرة على شكل سلسلة مرتبة منتظمة مستمرة: عصر الحجر المنحوت، عصر الحجر المصقول، عصور النحاس والبرونز والحديد لا تسير في خط واحد متصاعد فبعضها يترافق مع بعضها الآخر ولا يتخالفان زمانياً ويقول مستنتجاً “لا يرمي ذلك كله إلى إنكار واقع تقدم البشرية، ولكنه يدعونا إلى تصوره بمزيد من الاحتراس. يميل تطور المعارف الأثرية وما قبل التاريخية إلى عرض أشكال حضارية في المكان، كنا ميالين لتصورها متدرجة في الزمان. وهذا يعني أمرين: أولاً إن “التقدم” (إذا كان هذا اللفظ ما يزال ملائماً للدلالة على واقع يختلف جداً عن الواقع الذي كان يطبق عليه في بادئ الأمر) ليس محتماً ولا مستمراً، بل ينشأ على طفرات أو قفزات أو، كما يقول البيولوجيون تبدلات مفاجئة. وهذه الطفرات والقفزات لا تكمن في الابتعاد دائماً في الاتجاه ذاته، بل تترافق بتغييرات في الاتجاه(…) فالبشرية السائرة في طريق التقدم لا تشبه شخصاً يرتقي درجاً، مضيفاً بكل حركة من حركاته درجة جديدة إلى الدرجات التي صعدها، بل تذكر بالأحرى باللاعب الذي يتوزع حظه على عدة قطع من النرد، والذي يراها في كل مرة يلقيها، تتبعثر على البساط جالبة إليه حسابات مختلفة. فما نربحه على صعيد، نحن معرضون دائماً لخسارته على صعيد آخر، وإنما بين الحين والآخر فقط يكون التاريخ تراكمياً ، أعني أن الحسابات تضاف إلى بعضها بعضاً لتؤلف تاريخاً تراكمياً”( ص481).
على التاريخ التراكمي يضرب شتراوس مثلاًً حضارة شعوب أمريكا القدماء الذين وصلوا على الأغلب إلى القارة قبل عشرين ألف عام بجماعات صغيرة استطاعت أن تطور معارف نظرية وتطبيقية لبيئتها فقد دجنوا أجناساً نباتية وحيوانية واكتشفوا كثيراً من السموم والمواد المخدرة وطوروا كثيراً من الصناعات كالنسيج والخزف وشغل المعادن الثمينة، ولهم تدين أوروبا بالبطاطا والمطاط والتبغ والكوكا والذرة والفول السوداني والبندورة والأناناس وغيرها، وعرف المايا الصفر أساس الرياضيات قبل الهنود ثم العرب بخمسمائة سنة، وأقام الإنكا نظاماً سياسياً اختلف فيه أهو اشتراكي أم استبدادي ولكنه “كان ينتمي إلى أحدث الصيغ ومتقدماً عدة قرون على الظاهرات الأوروبية المنتمية إلى النموذج ذاته” (ص483).
وينتقل شتراوس بعد ذلك لمناقشة مسألة هامة جداًً هي الاختلاف بين “التاريخ الساكن” و “التاريخ التراكمي”، فإذا أقر الأوروبيون لأمريكا القديمة بامتياز التاريخ التراكمي لإسهاماتها التي اقتبسوا منها وتشبه إسهاماتهم، ماذا يكون موقفهم من حضارة تمسكت بتطوير بعض القيم الخاصة، التي لا يمكن لأي منها أن تثير اهتمام الملاحظ؟ أفلا يكون هذا الأخير ميالاً إلى نعت هذه الحضارة بالسكون؟ “قد نقصد هكذا بالثقافة التراكمية كل ثقافة تتطور في اتجاه شبيه بثقافتنا، أي الثقافة التي ينطوي تطورها على دلالة في نظرنا، في حين أن الثقافات الأخرى تبدو لنا ساكنة، لا لأنها كذلك بالضرورة، بل لأن خط تطورها لا يعني لنا شيئاً، ولا يمكن تقديره بعبارة نظام الإحالات التي نستخدمها”( ص483).
ذلك ما يشبهه شتراوس بوجهة نظر المسنين الذين يرون في تاريخ شيخوختهم تاريخ سكون قياساً للتاريخ التراكمي أيام شبابهم، إذ كل أيامهم تفقد معناها فلا يحدث فيها شيء أو ما يحدث يتسم بسمات سلبية، على عكس أحفادهم الذين يعيشون الفترة نفسها بكامل الحماسة التي فقدوها هم، وكذلك خصوم نظام سياسي ما يعدونه خارج التاريخ ولا يعترفون له بتطور بخلاف أنصار النظام وخصوصاً حين يشاركون في سير عمل جهاز الحكم. “إن التاريخية أو على الأصح، وفرة الأحداث في ثقافة أو سيرورة ثقافية، تابعتان، لا لخصائص هذه الأحداث الذاتية، بل لوضعنا حيالها، ولعدد المصالح المرهونة بها وتنوع هذه المصالح”. (ص484)
ويلجأ شتراوس إلى التمثيل للاختلاف في النظرة بين ابن الثقافة من داخلها وابن ثقافة أخرى ينظر من الخارج بالاختلاف الذي قالت به النظرية النسبية بين رؤية راكب القطارللقطارات الأخرى بحسب سرعتها واتجاهها نحوه أو عكسه، “إن كل عضو من أعضاء الثقافة متضامن معها على نحو وثيق كتضامن هذا المسافر مع قطاره. ومنذ ولادتنا يرسخ المحيط في أذهاننا، بألف محاولة شعورية أو لاشعورية، منظومة معقدة من الإحالات، مؤلفة من أحكام قيمية ودوافع ومراكز اهتمام، بما في ذلك النظرة الانعكاسية التي تفرضها علينا التربية حول صيرورة معارفنا التاريخية، والتي بدونها تصبح هذه الحضارة غير معقولةأو تبدو متناقضة مع التصرفات الفعلية. ونحن ننتقل تماماً مع نظام الإحالات المشار إليها، وتتعذر ملاحظة واقعات الخارج الثقافية إلا من خلال هذه التشوهات التي تفرضها عليها هذه المنظومة، هذا إذا لم يبلغ بها الأمر إلى حد منعنا من ملاحظة أي شيء من هذه الواقعات الثقافية (ص485).
وعلى العكس من العالم الفيزيائي الذي نظن فيه المتحرك معنا ساكناً ولا نراه متحركاً إلا إذا اختلف اتجاه حركته وسرعته عنا، فإننا في العالم الإنساني لا نكتشف الحركة إلا إذا كانت تسير في اتجاهنا نفسه وفي نفس سرعتنا، ويرى شتراوس أننا هنا يجب أن نهتم بمتغيري “الإعلام” و “الدلالة”، إذ أن الثقافات الأخرى حين لا تسيرها اهتماماتنا وعاييرنا تكون “كمية الإعلام” القابلة للانتقال إلينا محدودة وتشوش رؤيتنا لها، بل قد تمنعنا من رؤيتها كلياًً.
وينتقل شتراوس إلى تطبيق هذا المبدأ على واقع الحضارات البشرية المعاصرة، فقد كرست الحضارة الغربية نفسها منذ بضعة قرون لوضع وسائل آلية متزايدة القوة تحت تصرف الإنسان، فلو اعتمدنا معيار كمية الطاقة المتاحة لكل فرد دليلاً على درجة تطور الحضارة لكان الغرب في رأس القائمة، أمريكا ثم أوروبا والسوفييت واليابان ثم في المؤخرة المجتمعات المسماة “نامية” و “بدائية”التي تذوب في مجموعة غامضة، كون خط التطور المذكور لا يصلح لوصفها، رغم أنها تختلف فيما بينها اختلافات كبيرة، بل قد تتقابل فيما بينها وبحسب وجهة النظر المختارة ننتهي إلى تصنيفات مختلفة.
أما إن أخذنا المعيار قدرة التغلب على البيئات الجغرافية الأكثر معاداة، فلا شك في انتصار الأسكيمو والبدو.
وفي مجالات أخرى تفوقت الهند في إعداد منظومة فلسفية-دينية، والصين في نمط من الحياة، كلاهما خليق بأن يخفف من النتائج النفسانية لفقدان التوازن الديمغرافي، وقبل أربعة عشر قرناًص وضع الإسلام نظرية عن تضامن جميع أشكال الحياة البشرية: التقني والاقتصادي والاجتماعي والروحي لم يعثر الغرب عليها إلا مؤخراً جداً مع الماركسية والإثنولوجيا الحديثة، “ونحن نعلم المكانة السامية التي احتلها العرب بفضل هذه النظرية النبوية في حياة العصر الوسيط الفكرية” (ص487)، أما الغرب سيد الآلات فمعلوماته أولية جداً عن استخدام موارد آلة الجسد على حين يتقدم عليه الشرق والشرق الأقصى بآلاف السنين بهذا المجال، كما في مجال العلاقات بين المادي والمعنوي المرتبط به كما في يوغا الهند وتقنيات التنفس الصينية ورياضة الأحشاء لدى قدماء فاووري، وطورت الشعوب البولينيزية مبكراً فن الزراعة بلا أرض، وهي علمت العالم أيضاًص فن الملاحة وكشفت له عن نموذج من حياة اجتماعية وأخلاقية أكثر حرية وكرماً مما كان يخطر ببال. وفي إطار تنظيم الأسرة وإضفاء الانسجام على العلاقة بين الجماعة العائلية والجماعة الاجتماعية طور الأستراليون الأصليون على تخلفهم في الاقتصاد منظومات قواعد يحتاج المرء لفهمها إلى بعض أشكال الرياضيات الحديثة ويمكن عدهم رواد علم اجتماع الأسرة، وشكل غنى الإبداع الجمالي عند الميلانيزيين وجرأته وموهبتهم في دمج أشد نتاجات فاعلية العقل اللاشعورية غموضاً يالحياة الاجتماعية إحدى أرفع القمم. وأفريقيا بدأنا مؤخراً فقط نفهم أنها بوتقة ثقافية للعالم القديم، والحضارة المصرية كانت عملاً مشتركاً لآسيا وأفريقيا (3) وأنظمة أفريقيا القديمة السياسية والفلسفية الكبرى وصياغاتها القانونية تدل على ماض مبدع، ونستدل عليه أيضاًص بتقنيات العاج والبرونز التي كانت متفوقة على نظيرتها الغربية، هذا مع ملاحظة أن “هذه الإسهامات المجزأة ليست هي التي يجب أن تسترعي الانتباه كثيراً لأنها تجازف بإ















