لحسن زروال.www.azapress.net
اللسانيات والإستعمار..قراءة في المشروع اللغوي لبوجمعة هباز .


تمهيد:يندرج العمل اللساني لبوجمعة هباز ضمن ما يسمى بنقد وتحليل أنظمة الفكر، ذلك أنه يتعرض لموضوع شائك وهو الإمبريالية والثقافة –خاصة اللغة- إذ على امتداد تاريخ الإستعمار البشري يسعى المستعْمِر في البداية إلى القضاء على لغة المستعمر، فيجعل ذلك الهدف ضمن أولويات برنامجه الإستعماري.
لحسن زروال: باحث في اللغة والثقافة الأمازيغيتين:
تلتقي الدول الإستعمارية بالدول المركزية الغير الديمقراطية في كون كل منها يؤسس نظاما خاصا من التمثلات والأفكار "والحقائق" حول الذات وحول الآخر ويعمل من خلال هذه التمثلات على الحفاظ على بقائه كنظام لهذا يعتبر المساس بهذا النسق من الحقائق والأفكار مسا بأمن الدولة واستقرارها، وعلى أساس هذا الفهم فقد أخل بوجمعة هباز بنظام الدولة وأمنها عندما خلخل تمثلاتها حول السوق اللغوية بالمغرب وهدم نسق الأوهام والأساطير المؤسسة للتصور اللساني عند ايديولجيي الدولة المركزية والإمبراطورية الفرنسية ـ أفضل استعمال مفهوم الامبراطورية للدلالة على معنى التوسع ـ نفس الشيء قام به على صدقي أزايكو في حقل التاريخ لأنه كثيرة هي الأفكار التي رفعت إلى مستوى أوهام مؤسسة لا يجب المساس بها والتي تخدم بالفعل بنى اجتماعية وسياسية محددة.
لاشك أن قارئ رسالة بوجمعة هباز في شقها النظري والتطبيقي سيلمس تقاربا والتقاء بينه وبين فلاسفة كبار أمثال نيتشه، فرويد، ماركس، وميشل فوكو. فهؤلاء جميعا يجمعون على ضرورة اتخاذ الحيطة والحذر من الأفكار والعلامات والرموز فهي خبيثة وهي أدوات لحجب الحقيقة وسترها أكثر مما هي وسائل وآليات للكشف عنها والبوح بها. لهذا يتعين تأويلها قصد إزالة أقنعتها وسبر أغوارها وتبيان جانبها الباطني وجوهرها المستور. كما سيلمس القارئ كذلك نفسا انتروبولوجيا ستراوسيا فيما قام به بوجمعة من خلال دفاعه المستميت وتعاطفه القوي مع الثقافات المسماة "بدائية"، إلى جانب كل هذا بلور هباز نظرية في الإبتلاع الثقافي بالتركيز على البعد اللغوي في الثقافة وأقر بأهمية النشاط الرمزي في الإنسان لأن الرأس المال الرمزي في المجتمعات التقليدية يحل مكان الرأسمال الإقتصادي في الدول الرأسمالية.
انكب بوجمعة على نقد الإيديولوجية الإمبريالية في الجانب اللساني وهي لا تعني عنده "الايديولوجية" وعيا زائفا ومشوها ومقلوبا كما تصورها التصور الماركسي التقليدي بل هي تبرير فكري علموي لعلاقات الاستغلال السائدة في المجتمع.
فكيف اشتغلت الايديولوجية الاستعمارية في حقل اللغويات؟
I ـ بوجمعة هباز والإستمزاغ الغربي والعربي:
1 ـ بوجمعة هباز والإستمزاغ الغربي:
انطلق بوجمعة هباز في أطروحته اللسانية من مسلمة يمكن اعتبارها الخلاصة والزبدة التي رام الوصول إليها وهي اعتقاده الراسخ في أن الوظيفة الإجتماعية للسانيات تغلب على وظيفتها المعرفية مستشهدا بما قاله "كالفي" في كتابه "اللسانيات والإستعمار"
يقول: "وظيفة الإيديولجيا هي قبل كل شيء وظيفة اجتماعية وجدت للدفاع عن طبقة أو عن مجموعة معينة في حين أن العلم الخالص (إن كان له وجود) له وظيفة معرفية قبل كل شيء. أما اللسانيات في علاقتها بهذه الثنائية فهي تتموضع في وضعية خاطئة وظيفتها إجتماعية أكثر مما هي معرفية"[1] وتتأسس هذه المسلمة على قناعة مفادها أن اللغة ظاهرة إجتماعية يتداخل فيها الإجتماعي والمعرفي بل أكثر من ذلك، "إن منظومة لغوية ما (الشيء الذي يعني ليس فقط مفرداتها بل نحوها وتراكيبها) تؤثر في طريقة رؤية أهلها للعام وفي كيفية مفصلتهم له وبالتالي في طريقة تفكيرهم"[2]. الشيء الذي يجعلني أقول أن اللغة هي الدين الأول لكل إنسان، أي أنها النسق الميتافيزيقي الأول الذي يلتقي به الإنسان وهو طفل صغير. وقد أكد "جون بياجيه" أن الطفل يرى العالم الخارجي امتدادا لجسمه إلى غاية أن يتعلم اللغة فتحدث القطيعة ويبدأ الوعي بالعالم بما هو موضوع خارجي فيخضع لتقسيمات اللغة وتمفصلها.
لهذا كان بوجمعة ضد التصور الإختزالي الذي يحصر اللغة في وظيفة التواصل. فاللغة فيها كثير من السياسة وكثير من الإقتصاد وكثير من الايديولوجيا.
لقد حشد هباز كل طاقته المعرفية من أجل التصدي للمشروع الإستعماري الشامل في جبهة من أخطر الجبهات وهي الجبهة المعرفية وبشكل أدق في علم اللسانيات، حيث سعى هباز إلى نقد العقل العلمي الغربي عبر الكشف عما كان يضمره الواصف الإستعماري وكذا عبر فك رموز إيديولوجيته فدافع على لسانيات داخلية ينتجها باحثون أهليون مقابل لسانيات خارجية ينتجها الواصف الإستعماري. وتمكن هباز من التأكد على أن الميتا خطاب الذي يبنيه المستمزغون، سواء أكانوا غربيين أو عربا، هو ميتا خطاب سياسي، وتأكد له كذلك على أن العلم اللساني لم يحقق استقلاليته وقطعيته الابيستمولوجية عن الوظيفة الإجتماعية للواصف الذي هو ضابط في الجيش الإستعماري أو موظف إداري تابع للإقامة العامة أو مبشر للكنسية الكاثوليكية. فكانت النمذجات والتنميطات التي أسسوا لها خاطئة ومبنية على ميولات سياسية وإيديولوجية أكثر مما هي علمية، بعبارة أخرى حاول هباز الوقوف عند حدود كل من العلم والإيديولوجيا في ما أنجزه المستمزغون الأجانب من بحوث في اللسانيات، وانتهى إلى تبعية الوصف اللساني للإرادة الاستعمارية من أجل ضبط السكان وتقسيمهم إلى كنفدراليات ومداشير ومناطق جيولسانية واقتصادية، فكان الإستمزاغ، بما هو مجموع الدراسات والأبحاث التي قام بها باحثون غربيون أو عرب حول الأمازيغية كلغة وثقافة وحضارة…، مشروعا " فكريا " " علميا " يهدف إلى إعطاء شرعية علمية للإستعمار أي إعطاء شرعية للسياسة الإستعمارية في شكل يجعل العلم يوافق السياسة. يقول "بوجمعة": "يريد المستعمر أن يوهمنا أن هيمنته من محض الصدفة وأن هذه الهيمنة "طبيعية" وأنها حتمية ولا يمكن تجاوزها تاريخيا وثقافيا" [3]. وقد كان "رينان": "على علم بأن دراسة التطور اللغوي تضيء الأصول الحضارية مثلها كمثل دراسة التطور الديني"[4] . وتوجت الأبحاث اللغوية "لرينان" بما كان مرسوما لها سلفا من قبل الإمبراطورية الفرنسية حيث خلص في مقارنته للغات الهند وأوربية بالسامية إلى اعتبار الثانية مفككة العضوية وعليه فإن اللغات السامية مظهر من مظاهر التطور الذي لم يتجاوز نفسه فتناسى أن دراسة أية ظاهرة كيفما كان نوعها تقتضي النظر إليها بمعزل عن إضفاء وجهة نظر دارسها، بل يجب أن تؤخذ مجردة ولا يتحكم بمنطقها وخط سيرها سوى منطق علاقاتها الداخلية وحسب هباز فالغرب أسس لعلاقات فكرية غير متكافئة مع الشرق هذه العلاقات قائمة على التفوق وتكفر بالإختلاف وقد حاول هباز أن يعيد التوازن إلى هذه العلاقات في جانب من أخطر الجوانب المعرفية في العلوم الإنسانية وهو اللسانيات يقول "بوجمعة": "أسس الفكر الغربي لعلاقة مع الآخر بتحويله لعلاقات الإختلاف إلى علاقات التفوق… وهؤلاء المستعمرون ينتمون إلى الطبقات المسيطرة في أوربا ويجيزون لأنفسهم حق التفوق على العالم الثالث وعلى الشعوب اللامتحضرة"[5].
إعادة التوازن المختل في جانب اللسانيات هو ما يشكل عند هباز مهمة الباحث الأهلي الذي يجب عليه أن يتحمل مسؤولية وواجب إعادة التفكير في النظريات اللسانية وإزاحتها عن المركز وقلب هذه النظريات وخلفياتها الإيديولوجية، وذلك من أجل الإسهام فيما يسميه "بوجمعة" "التحرر الوطني الثقافي والإيديولوجي للجماهير" وهي مهمة بدون شك صعبة أن الباحث أحادي الجبهة في النضال وهي الجبهة الثقافية في حين: "أن النضال التحرري نضال شامل، لأن الهجوم الاستعماري هجوم شامل غير أن هذا الشمول يتضمن مستويات بنيوية مختلفة بالضرورة، النضال التحرري على جبهات مختلفة تضمها وحدة الحركة التاريخية، وجبهة الثقافة الوطنية في معركتنا التحررية الشاملة جبهة رئيسية"[6] ويكون النضال عبر هجوم معاكس يستهدف تحرير الفكر من سيطرة الإيديولوجية الإستعمارية.
لا يكتفي هباز بالقول بتهافت النظرية اللغوية للمركز الأوربي على الهامش بل يتجاوز ذلك إلى التمثيل لهذا التهافت والإنزلاق عند مفكرين لغويين يمثلون في مجال اللغويات كأصنام للعبادة والتقديس فمثلا أصر الفكر اللغوي الغربي على تبني معايير ونمذجات غير علمية من مثل اتهام اللغات الغير الهند وأوربية بالضعف والقصور الماهوي كما تم حصر وظيفة هذه اللغات في الوظيفة الإجتماعية التواصلية وسحبوا عليها إمكانية أن تكون حاملة للأفكار والمعارف. والخطير في هذا الحكم هو أنه لا يكتفي بإلصاق القصور والضعف للغة بل يتعداها إلى أهل اللغة ومتكلميها "فشاطوبريان" ومعه "كوبينو": مثلا يرون أن الرطانة تتحول إلى لغة والشعوب المستعمرة المتوحشة البدائية ليست لها لغة بل لهم رطانة لأنهم لم يتقدموا برطانتهم لتصبح لغة، فالرطانة إذن حسب هذين الباحثين مرحلة ما قبل لغوية ومنه استنتجوا أن متكلمي هذه الرطانة هم في مرحلة ما قبل إنسانية.
أما شليجل: فيقسم اللغات تقسيما معياريا قيميا إلى ثلاثة أنواع اللغات المعزولة واللغات الداغمة ثم اللغات الإعرابية وهي أرقى الأنواع وأكثرها تطورا وتندرج ضمنها اللغات الهندوأوربية فقط. في حين فإن باقي اللغات متأخرة ومتخلفة وبالتالي فهي مندرجة ضمن الصنفين الأولين وحسب "شليجل" فإن كل اللغات كانت عازلة ثم تطورت إلى داغمة والأكثر تطورا تحولت إلى لغات إعرابية. وما ذهب إليه خاطئ لكن "الأفكار تخدم المصالح وانتصارها لا يتوقف على صحتها بل على امتلاكها السلطة" [7] كما قال "ماركس" "بأنه من الآن فصاعدا لم تعد صحة هذا المبدأ أو ذلك مهمة، بل ما إذا كان صداه حسن أو سيئ، سار أم لا بالنسبة للبوليس" مفيد أم ضار لرأس المال"[8].
هذا فيما يخص "شليجل" و "كوبينو" و "شاطوبريان" أما "آندري باصي" الذي رأت لجنة المناقشة التي أدارها "ليونيل كالان" في الأطروحة إساءة إليه وهو من أحد كبار المستمزغين على الإطلاق. فهذا الأخير "باصي" دافع وبإستماتة على أن الأهالي لا يملكون لغات بل يملكون لهجات أو معطيات لهجية.
وهذا انزلاق معرفي خطير تصدى له "بوجمعة" بزاد يجمع بين المعرفة العلمية والدراية السياسية حيث رفض اللغويون الغربيون إسناد صفة اللغة للأنساق التواصلية للشعوب المستعمرة وللغة الأمازيغية على الخصوص أمثلة: لوبنياك: دراسة حول اللهجة الأمازيغية زايان وأيت سكوكو باريس 1924، روبيز أبنيون: "لنتعلم الأمازيغية" مدخل إلى لهجات الشلوح الرباط 1983، روني باصي: دراسة حول الزناتية بوراسنيس 1895 باريس. ثم دراسة حول اللهجة الأمازيغية ل باستوا باريس 1912… وغيرها كثير من الدراسات.
ودافع هباز على أن الفرق بين اللهجة واللغة فرق غير لساني أي ليس من طبيعة لسانية مستشهدا بما قاله "سوسير": في أن اللغة "في حالة إهمالها، تبقى عبارة عن لهجات كل واحدة منفصلة عن الأخرى، ومن ثمة تصبح مهددة بانقسام لا محدود"[9] فمثل هذا التمييز بين اللغة واللهجة هو تمييز غير لساني بل سياسي، اللغة: بحسب منطق هذا التحليل هي: "لهجة تتبناها أمة بأكملها… اللغة لهجة سيطرت سياسيا على اللهجات الأخرى. هذا يعني أن اللغة واللهجة لا فرق بينها من ناحية بنيتهما اللغوية الداخلية"[10] .
كما استشهد "بوجمعة" بالتعريف الرصين "لجان دوبوا" عن

















شهد المغرب بعد الإستقلال أحداثا سياسية واجتماعية مضطربة ،واجهتها الدولة بحملات من القمع في حق الآلاف من الضحايا الذين كان مصيرهم الاختطاف و الاختفاء القسري ،وتوفي بعضهم،وظل أحرون مجهولي المصير . وكان المعتقل السري بأكدز سيء الذكر والسمعة،وذائع الصيت وطنيا ودوليا أحد هذه الأماكن التي شهدت انتهاكات جسبمة لحقوق الإنسان خلال سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي كما هو الشأن لمعتقلات :
أكثر من 320 أسرة بمنطقة تستيفت، التي تضم مدشري حرفوش و تستيفت، التابعة للنفوذ الإداري لجماعة واكليم وتبعد عن المركز الحضري لتنغير بأقل من 20 كيلومتر. و الجدير بالذكر أن هذه المنطقة تعيش وضعا مقلقا. فمن جهة، تعرف غيابا تاما للبنيات التحتية خاصة المسلك الطرقي و شبكة الكهرباء و الماء الصالح للشرب و يعتبر دوار تستيفت نموذجا للوضع الغير الطبيعي بالعالم القروي بالمغرب. إن على مستوى العزلة و التهميش الواضحين . أو على مستوى آثار الجفاف كظاهرة طبيعية كان لها الأثر البالغ على حياة الإنسان القروي بالمنطقة. فمشاكل دوار تستيفت تظهر في غياب مسلك طرقي قادر على ربط المنطقة بالمجال الحضري للإقليم الجديد تنغير . كما آن دوار تستيفت مازال يعاني من انعدام الماء الشروب و شبكة الكهرباء فمازالت الساكنة تعيش هاجس ضمان قطرة الماء للبهائم و الماشية كل يوم. بل يلجأ الأطفال و النساء إلى التهافت على قطرات الماء من آبار بعض الضيعات الفلاحية الموجودة بالمنطقة.
قوات المخزن العروبي تحاصر الطريق الرابط بين بومالن دادس وتنغير والطريق الرابط بين الرشيدية وتنغير إثر خروج السكان كبيرهم وصغيرهم
تمكنت

يعاني دوار أيت أوزين، الموجود بالضفة الشرقية لوادي دادس، على بعد عشرات الكيلومترات من أقرب مركز حضري بقلعة مكونة بورزازات من خصاص في عدد الأساتذة ونقص في التجهيزات الضرورية. 