أراضي الجموع من المشترك القبلي
إلى الهيمنة الإدارية للدولة
نموذج من قبائل زيان
إقليم خنيفرة
1. تقديــم
تتوسل مداخلتي هاته الاقتراب من إحدى الموضوعات الحساسة لكونها تفصح عن تقاطع جاذبيتين. الأولى سكانية – قبلية بثقل ثقافي وموروث عرفي، والثانية دولتية إدارية بحضور قانوني ورقابة سياسية.
القبيلة في الأطلس المتوسط كيان متحرك، يحب الترحال، ويرفض الخضوع غير المتفاوض عليه. انتقاله الدائم بين الجبل وأزغار يوفر له مساحة زمنية كافية لتدبير وجوده والاكتفاء بذاته. أما المخزن فكان يجتهد لترويض هذا الكيان، والسعي لاحتوائه، وتحييده بل والحد من " تهديده ". لأنه يتفاوض ككل متماسك، ولا يسمح لأي فرد من القبيلة أن ينهج استقلالا ما، في الرأي أو في التعامل مع أي كيان آخر، هذا الالتحام المبني على ثقافة عضوية، هو الذي لازال لحد اليوم يقف وجه كل محاولات إضعاف النسيج القبلي أو تهشيشه اجتماعيا، لاحتوائه سياسيا. ولعل فشل الأحزاب في النفوذ إلى القبائل الأمازيغية بالأطلس المتوسط لدليل ساطع على مدى صحة الرأي الذي يقول بعدم نفاذية النسيج القبلي وانغلاقه في وجه الاختراقات الفوقية. هناك وعي ذاتي لدى القبائل بالأطلس المتوسط وبالخصوص قبائل زيان التي هي موضوع حديثنا في هذه الورقة، إنه وعي راسخ، متجدد، مرتبط بالتاريخ، وبالهوية، وبالأرض. لهذا شكل المجال الترابي دوما مركز صراع بل واقتتال إما داخلي وإما خارجي. ويمكن تفسير ذلك بالرغبة في الحفاظ على الملكية وحمايتها من أية سيطرة. وهنا تغدو ملكية الأرض هدفا ساميا لأنها المكان الذي تمتد فيه القبلية وتعيد إنتاج وجودها وما يرتبط به من قيم ومبادئ ورموز. (1)
تسمى القبائل المنتشرة على سفوح الأطلس المتوسط بقبائل " الدير " أو آيت أومالو. ويمتد وجودها من قبائل مرموشة إلى حدود قبيلة آيت سخمان. وهذا التحديد الجغرافي له ما يبرره واقعيا. من حيث اشتراك هذه القبائل في اللسان، والتقاليد، والأعراف، بل والاشتراك في الحروب، وأقسام الأرض والتواصل الثقافي والشعور بنفس المصير.
هذا لا يعني الاكتفاء بالذات والقطيعة مع النسيج القبلي الآخر الذي يتواجد في جنوب الأطلس وشرقه وغربه. ويمكن عرض مؤشرات على هذا الامتداد لكن المقام ليس مناسبا للدخول في هاته التفاصيل التي لها علاقة بحقول معرفية قد لا نقوى على ارتيادها بحكم محدودية تخصصنا وارتباطنا بالموضوع.
لقد أفادتنا بعض الروايات المحلية من منطقة مريرت في الوقوف على ظاهرة احتفالية لها علاقة بالأرض. حيث يصادف هذا الاحتفال فصل الربيع " تفسا " ويقام سنويا بمنطقة أزغار أي السهل حيث يكثر الربيع وتزهر الأشجار، وينمو الكلأ، ويغدو الانتجاع مضمونا. تقول الرواية أن شهر مارس يكون هو الزمن الذي تدق فيه القبائل الخيام في المكان المحدد لإقامة الاحتفال بفصل الربيع. حيث تتزين النساء. وتظفر العذارى شعورهن كتمييز لهن عن النساء الأخريات. وهذا تقليد يحيل على ظواهر أخرى يمكن العودة إليها عند إثارة قضايا آخرى ( كالزواج، والختان…) كما يرتدي الرجال أفخم ثيابهم، ويستعد الفرسان لأداء وصلات من لعبة الفروسية.
قبل موعد الاحتفال يجتمع كبار القبائل أي الأعيان ويشكلون فوجا يضم تمثيلية لكل المشاركين في هذا اللقاء الربيعي، ثم ينطلقون في زيارة النسوة المتواجدات داخل الخيام. وتقول مصادرنا أن العبارة التي كانت تتردد في كلام هذا الوفد عند دخوله إلى كل خيمة على حدى هي: " ترونخ ترونون " أي أبناؤنا هم أبناؤكم " . وبعد انتهاء هذا البروتوكول تعطى انطلاقة الأفراح وتنحر الذبائح. وتقام حفلات أحيدوس والفروسية ويدوم هذا الحفل أكثر من ثلاثة أيام. وخلاله ينفصل الكبار عن الجموع للبث في المشاكل العالقة بين القبائل وبالخصوص تلك المتعلقة بالأرض وما يرتبط بها من رعي واستغلال متنوع.
لقد استمرت هذه الظاهرة طوال فترة الحماية، لكن بعد الاستقلال اختفت نهائيا ولا أحد من المهتمين بالأتروبولوجيا الأمازيغية أشار إليها.
لقد قدمنا هذه الظاهرة كنموذج على التدبير الداخلي لأراضي المشتركة بين القبائل الأطلسية. حيث كان الاحتفال مناسبة لاجتماع والتداول في الشأن العام القبائلي ولهذا التقليد علاقة بتقاليد أخرى أهم منها ، مثلا ما يتعلق بالطعام والذبيحة وهما رمزان ماديان لتقييد المتعاقدان من خلال تناولهما معا بروابط قدسية حيث تغيب الكتابة والتدوين ولا يحمي التعاهد سوى الكلمة والرجولة المبثوثة في العادة الشفوية بين القبائل الأمازيغية.
لقد استهللت هذا العمل بهذه الرواية التي لازال بعض أفرادها على قيد الحياة بهدف إثارة المشكلات التي لها علاقة بالأرض المشتركة بين قبائل زيان بالأطلس المتوسط. فما دام هناك إرث ثقافي غير مدون ينظم الاستغلال لهذه الأراضي خلال فترات الحرث والانتجاع، نجد اليوم قانونا للدولة يفرض وصاية ينظمها ظهير شريف، تشرف على تطبيقه ومراقبة هذه الأراضي من خلاله، سلطة وزارة الداخلية.
لقد عرفت هذه الأراضي نزاعا قويا بين القبائل حول حقوق ملكيتها. وصل أحيانا إلى مجابهات جسدية استعمل فيه السلاح الأبيض والسلاح الناري. وسقطت فيه ضحايا من الأطراف المتصارعة. وقد اشتد فتيل هذا الصراع مباشرة بعد الاستقلال مثل ما وقع بالأرض المعروفة بإسرفان " وتلموت أومزيل " بأزغار زيان.
حيث لم ينحصر الصراع حول ملكية هذه الأراضي في منطقة أزغار بل امتد لهيبها لأراضي جموع أخرى بالجبل حيث ينتشر الانتجاع في فصل الصيف، وتمحور الصراع حول الأراضي القريبة من المياه كالأراضي المجاورة لعيون أم الربيع والبحيرات.
لقد تدخلت الدولة بعنف في إرجاع الأمور إلى نصابها وذلك بفرض حضورها المادي والمعنوي ولإشعار القبائل أن المشترك هو في العمق ملك للدولة ولا مجال للتصارع حوله، حتى ولو اتخذ الظهير الشريف مظهر القانون الراغب في الحفاظ على العرف في تدبير استغلال هذه الأراضي، وسنعود لتقديم قراءة في بعض بنوده على ضوء المشاكل الناجمة عن تطبيقه وحدود نجاحه أو إخفاقه في فض المشكلات. ليس هناك طرفان فقط في معادلة الصراع أو إرادة الهيمنة في تدبير شؤون الأراضي المشتركة أي القبائل والدولة. هناك طرف ثالث له امتداد جغرافي قوي في مناطق زيان ويحظى بهيبة سياسية متينة ويستمد وجوده من شرعية المقاومة ونعني هنا طبقة الإقطاع التي رسخها الاستعمار بعد انطفاء جذوة مقاومة موحى أو حمو الزياني. حيث تصالح أبناء هذا المقاوم مع الاستعمار وحصلوا في مقابل ذلك على "شرف" " حكم " منطقة خنيفرة. وسمح لهم الاستعمار بإطلاق أياديهم في المنطقة حين تمكنوا من نزع أغلب الأراضي الصالحة للرعي والانتجاع من قبائلها الأصلية وأضافوها إلى رأسمالهم الإقطاعي، وحولوا الكثير من القبائل إلى تجمعات صغرى، تراجعت وكادت أن تختفي من الوجود من خلال هذه المعطيات يمكن التساؤل حول أراضي الجموع من الزوايا التالية:
- كيف أدار الأمازيغ، تقليديا إرثهم المجالي المشترك .
- الإقطاع ككيان منبث في قبائل زيان ما دوره في خلق التوتر حول هذه الأراضي وإعاقة التنمية وتكريس تهميش هذه القبائل وترسيخ سلطة المخزن بين قبائل زيان.
- دور المخزن، عبر وزارة الداخلية في التدبير السياسي لمشكلة الأراضي المشتركة، ولعب دور الحكم الصوري، والمستشار القانوني، والمرجع الوصي. وما علاقته بالإقطاع في أداء دور المراقب السياسي بالوكالة لحركة الوعي السياسي لدى قبائل زيان خاصة بعدما أظهروا روحا وطنية نادرة في مقاومة الاحتلال خلال بداية القرن 20 وأثناء نفي الملك الشرعي عن البلاد، أي ما يعرف بثورة الملك والشعب.
2. الأرض كرهان على الحرية لدى الأمازيغ:
يميز أمازيغو الأطلس المتوسط بين كلمتين لهما علاقة بالأرض: هناك كلمة أشال أو أكال التي تعني في ترجمتها الحرفية " التراب " وكلمة " تمزيرت " التي تشير إلى البلدة أو البلد أو القبيلة أو المنطقة التي ينحدر منها الفرد الأمازيغي، وهي المعادلة لكلمة " تمورت " عند أهل الريف.
رغم هذا التمايز الاصطلاحي بين الكلمتين، فإنهما معا يحظيان تقريبا بنفس القيمة الرمزية في المتخيل الأمازيغي الذي يحيل على علاقة الوعي بالأرض. وهذا ما يعبر عنه الاستنفار الوجداني الذين يحدثانه معا وبنفس القوة تقريبا في ضمير الأمازيغي حينما يصبحا موضوعا للانتهاك ، أو مهددان بالسطو والاحتلال.
يمكن التمييز بين الكلمتين خلال الاستعمال اليومي الذي يحدد ما يسميه المناطقة ب "الماصدق" أي الموضوع الذي ينطبق عليه المفهوم.
فكلمة " أشال "تعنى البقعة الأرضية التي سيقام فوقها بناء أو زراعة أو سكن . أي ما معناه أقرب بقعة ترابية وأصغرها في التصور الهندسي الأمازيغي للمكان المحيط به.
كما تدل الكلمة نفسها على الأرض في صيغتها الكلية كرمز للولادة وكحضن للوفاة واحتضان الموتى. فالأمزيغي في شعره الذي له علاقة بالرثاء لا يتحدث عن الموت كدخول في زمن مطلق كما تقدمه غالبا التصورات الفلسفية والأسطورية المشرقية، بل يخاطب الموت كاختفاء الإنسان في جوف الأرض أي أن الأرض تبتلعه وتمنعه من العودة ثانية إلى الحياة وغالبا ما يوجه الشاعر رجاءه لهذه الأرض لكي تحسن معاملة ضيفها وأن لا تطبق عليه بل تمنحه فرصة الامتداد مماثلة لذلك الامتداد المكاني الذي كان يعيشه قبل وفاته.
أما كلمة " تمزيرت "فهي الأرض التي تحتضن الهوية والانتماء سواء في بعدهما الجغرافي أو اللساني. " فتمزيرت " هي البلدة التي ولد فيها الأمازيغي أي جذره القبلي وتنشئته الاجتماعية الأولى والحنين إليها دائم ومتأجج حيث نجد حضورا غنائيا وشعريا كثيرا يقدس الرابط بين الإنسان الأمازيغي ووطنه الأول. أي مكان طفولته، حيث لا يجد خارج هذا الوطن إلا الاغتراب والضياع. وقد يعمم هذا اللفظ ليصنف الآخرين حسب انحدارهم من بلدانهم. فنقول مثلا إن " تمزيرت " كل إنسان سواء كان أمازيغيا أم لا هو وطنه الأصلي أو بلدته الصغيرة التي ولد ونشأ بها، وينظر إليها بنفس الاحترام الذي يكنه الأمازيغي لبلدته. أي لا مجال للشوفينية أو الكبرياء في الحديث عن البلدة الأمازيغية، بل هناك عواطف إنسانية شاعرية تتخلل هذا الإنتماء وخاصة لدى الشعوب الموغلة في القدم كالمصريين والهنود الحمر وغيرها من الثقافات التي اضمحلت أو انقرضت نهائيا.
كما تشير كلمة " تمزيرت " في الوعي السياسي الناضج لدى الأمازيغ إلى الوطن ككل بحيث خارج الحدود الوطنية، تغدو " تمزيرت " هي المغرب. والذوذ عنه لا يقل أهمية أو حماسا عن الذوذ عن " تمزيرت "كإحالة على البلدة الشخصية للأمازيغي أي أن هناك جدلا صاعدا ونازلا في الوعي الأمازيغي بحدود المكان وعلاقته بمشاعره وثقافته التاريخية.
أما عند قبائل زيان " فتمزيرت " هي الحدود المجالية لهذه القبائل والتي تحدها شرقا قبائل أيت سكوكو القاطنين بمنطقة مريرت، وجنوبا القبائل الصحراوية وغربا قبائل اشقيرن وشمالا قبائل زمور.
فداخل هذا المكان يجد الزياني هويته المنفردة، فنقول أحيدوس نزيان تميزا له عن أحيدوس إمرابطن أو اشقيرن أو غيرهم من القبائل المجاورة. وتشترك قبائل متعددة في تأثيث هذا الفضاء واقتسام خيراته نذكر منها: آيت معي، آيت بوحدو، آيت عمو أو عيسى، آيت بوحماد آيت شارض، آيت خويا، آيت بوهو، آيت لحسن…
إنها قبائل تدخل في نظام الترحال السنوي، حيث تقيم شتاءا في أزغار أي الأراضي الموجودة على سفوح جبال الأطلس المتوسط، وتنتقل صيفا إلى الجبال حيث يكثر الكل
المزيد