قصبات تعاني الإهمال
إنجاز: محمد المبارك البومسهولي
تعد القصبات جواهر رفيعة تزين مجال الواحات فيالجنوب الشرقي للمغرب خاصة بدرعة وتافيلالت وأحواض دادس ومكونة وتدغة، إرث حضاري صنف بعضه كثراث إنساني كما هو الشأن بالنسبة لقصبة أيت بنحدو بدائرة أمرزكان غير أن واقع باقي القصبات التي يتجاوز عددها ألفا جد مزري ويتجه نحو التلاشي والخراب لتنمحي معه ذاكرة معمارية حضارية نظرا لعدة عوامل مجتمعة مرتبطة أساسا بالواقع الإقتصادي والإجتماعي المترتب عن التهميش التام الذي عانته هذه الجهة طيلة عقود من الزمن حيث يتم التعامل مع البلاد والعباد بمنطق فلكلوري ليس إلا.. إضافة إلى العوامل الطبيعية كتوالي سنوات الجفاف والتصحر الذي زحف على الواحات وأرغم الساكنة للهجرة وترك قصورهم وقصباتهم تواجه قدرها المحتوم إضافة إلى زحف الإسمنت والتخلي على النمط المعماري المحلي مما تسبب في مسخ الخصوصية والجمالية التي ميزت معمار الجنوب الشرقي ناهيك عن غياب الاهتمام من طرف الحكومات المتعاقبة والتي لا تعرف المنطقة إلا في المواسم السياحية أو مهرجانات التضبيع التي انتهجت لسنوات لمحاصرة ثقافة التنوير والحداثة .. والحداثة هنا لا تعني أن نضرب عرض الحائط ثراثنا المعماري المتميز والمتألق.
المجال الواحي الذي يضم هذه الواحي الذي يضم هذه الواحات مهدد بالخطر اليوم وهو ما أكده محمد اليازغي مؤخرا بالرشيدية أثناء تقديم مشروع إنقاذ واحة تافيلالت حين قال:
" إن الواحات شكلت ليس فقط حلقة في تاريخ المغرب ولكن أيضا في تاريخ المغرب العربي، وكذا تأسيس ودعم علاقة المغرب مع دول جنوب الصحراء وهي مجالات ذات أبعاد جغرافية وطنية وكونية فهي تمثل من جهة نوافذ جيوستراتجية بالنسبة لبلادنا ومن جهة ثانية امتداد للمجال شبه الجاف الذي يشكل حلقة وصل بين الصحراء والنطاق البيومناخي المتوسطي، والواحات تقدم لنا نموذجا عالميا فريدا ورائعا بما نسميه اليوم بالتنمية المستديمة وهو ما يحتم علينا أن نحافظ على استمرارية هذا النموذج وهذا الموروث الثقافي والإيكولوجي العالمي وأن كل الواحات في خطر وإذا ما استمرت الوضعية في نفس المنحى الحالي فإنها ستؤول لامحالة إلى الزوال.. ولم يعد بالإمكان التستر وراء مبرر الظروف الطبيعية لتفسير أزمة الواحات، فالأزمة نتاج لتفاعل عدة عوامل أهمها يرتبط بالعنصر البشري."
و بالفعل امتدت يد البشر لتسيء لهذا الموروث الثقافي والحضاري حيث بدأ الإسمنت يغزو المنطقة.. البنايات الحديثة تحتل مكان القصبات الجميلة لتمسخ الطابع المعماري المميز لها.. وعن هذا يقول أحد زائريها:
" من المؤسف حقا أن تتحول البنايات ذات الطراز المعماري القديم برونقها الجميل وبعمقها الحضاري الذي يشي بحس جمالي رفيع لدى ساكنة المنطقة.. من المؤسف أن نراها تتحول إلى صناديق إسمنتية بلون رمادي مقرف محدثة تشوها فظيعا في انسجام وتناسق الفضاء المعماري لهذه المنطقة.. والأنكى من هذا ما تعرفه بعض التجمعات السكنية من سوء في تهيئ المجال حيث نجد بنايات بطابع قديم تحاذيها بنايات جديدة بتصميم مخالف.. إنه حقا لتزييف حضاري يجب التصدي له.."
تقول بعض الأبحاث إن الجانب المعماري بهذه المنطقة مر من ثلاثة مراحل أساسية.. الأولى تميزت بسكن متجمع متراص تحيط به أسوار ضخمة وعالية، بناياته جد متماسكة لتوفر المساحة.. مواد بناءه هي الطوب والتابوت والخشب والقصب.. وهي مواد محلية، و يطلق على هذه التجمعات اسم " إغرمان " أو القصور.. وتتميز بامتدادها العمودي وتتموقع بجوار الحقول المزروعة قصد مراقبتها وحراستها.
أما المرحلة الثانية، فقد جاءت بعد شق الطريق الرئيسية وإنهاء فترة السيبة مما جعل الأمن ينتشر وهو ما شجع السكان على ترك القصور القديمة والانتشار على طول الطريق الرئيسية باعتبارها مسهلا اقتصاديا ورابطا بالعالم الخارجي.. كما أن النمو الديموغرافي لم تعد تستوعبه هذه القصور..
المرحلة الثالثة، وهي مرحلة ما بعد السبعينات التي تقوت فيها الهجرة إلى الخارج مما جعل الإسمنت يزحف بكل قوة، فبدأ المعمار يتخذ شكلا متطورا إلا أنه طبع بالعشوائية ولم يزد عن سابقة سوى باستعمال مواد الإسمنت والحديد . يقول أحد السكان:
" ما عجبت له حقا أن هؤلاء المهاجرين يبذرون أموالهم في بناء دور ضخمة تغلق طيلة السنة.. وتصرف فيها ميزانيات ضخمة كان بالإمكان أن توجه لبناء مشاريع تنقد العاطلين من البطالة وتعفيهم من انتظار بنات المهاجرين لتهجيرهم للخارج.. وتحول معمارنا الأصيل إلى تحف نفيسة بالحفاظ عليه وترميمه ولما لا تحويل بعضه لمتاحف "
طريق الألف قصبة يتميز بعدة قصبات تاريخية أية في الجمال.. على مستوى تصميمها أو تنوع زخرفتها، غير أنها اليوم تتجه نحو الدمار، وقد نستيقظ يوما لنجد مكانها ركام الأتربة… يقول أحد السياح:
" أتألم كثيرا لحال هذه القصبات التي لم تقدر قيمتها الفنية والمعمارية وأتساءل كيف يترك المسؤولون هذا الجمال يندثر؟"
بالفعل هذا السائح الأجنبي له غيرة على تراثنا المعماري لكن المسؤولين بما فيهم وزارة الثقافة والسياحة لم يول أية أهمية لهذه القصبات.. ولا يملك المرء سوى أن يلتقط لها صور لتبقى كذكرى ما دامت ستندثر يوما لا محالة، وهو إنذار موجه لكل المعنين بالأمر لأنه من العار أن تبقى هذه الأمة بلا ذاكرة.
ولنتأمل واقع بعض من هذه القصبات لندرك بالفعل وضعها:
قصبة زاوية مولاي عبد المالك..
تخريب لواحدة من أجمل القصبات
من أجمل القصبات التي تثير انتباه الزائر لقلعة امكونة وهو مار بمنطقة ايت يحيى، قصبة زاوية مولاي عبد الملك.. المتميزة بتصميمها المعماري المخالف للمعمار ذي الأبراج المعروفة في هذه المنطقة..
فهي قصبة تمتد عالية في الفضاء إذ تضم أزيد من خمس طوابق.. تتميز مرافقها بالرياضات التي تتخللها الحدائق والجنان.. إضافة إلى كونها كانت مركز إشعاع لإرساء مبدأ التعاليم الدينية وتحفيظ القرآن وترسيخ أصوله، كما كانت قبلة لكل قبائل ايت زكري ومكونة وايت سدرات وايت عطا، وهي مأوى لعابر السبيل وكل المعوزين ومن رمت بهم الأقدار إلى هذه الديار.
وكان مؤسسها مولاي عبد المالك أول من واجه المستعمر سنة 1919 عندما جاء الخائن الكلاوي مدججا بالأسلحة ومرافقا لضباط فرنسيين.. فرفض المولى عبد المالك استقبالهم باعتبار أنهم استعماريين وخونة وأعداء الله والدين وهو ما عرضه للاعتقال لمدة سنتين.
هذه القصبة التي شهدت الكثير من الأحداث.. وكانت بالفعل منارا إشعاعيا لعب دورا مهما على الكثير من الأصعدة.. تعاني اليوم الإهمال والتخريب، فجدرانها تنهار يوما بعد يوم.. رغم عناد زخرفها الملتصق في سقفها.
النقش على الجبس، الفسيفساء، الزخرفة الأندلسية المتميزة بإبداعات الجنوبالمغربي الأصيل لتشكل لوحة آية في الجمال تتلاشى اليوم ولم يبق منها سوى نتف تشهد على أن ما أبدعته أيادي الصانع المغربي تبقى صامدة لتواجه رياح التخريب العاتية.. نقوش وزخارف بانسجام ألوانها حيث تتماهى مع الأرض والسماء في تناسق وتناغم يحيلك على عالم لا محدود تتقاطع فيه كينونتك بالوجدان.. رأيت عناد الجبص المنقوش وهو ملتصق بالجدران متمسك بالحياة و كأني به غارق يتمسك بصخر النجاة والألوان تتعانق في زخارف لم يبهت صفاءها كعناق عاشقين في جنان يؤثثها الورد والزهر والسوسن لكن الذي يحز في النفس أكثر أن الجهات المسؤولة سواء المهتمة بالمجال الثقافي والتي عليها أن تحافظ على نفائس معمارنا باعتبارها جزء من تراثنا الحضاري أو المهتمة بالمجال السياحي والتي عليها أن تساهم في صون كل الفضاءات التي من شأنها أن تستقطب السياح.. هذه الجهات لم تول أي اهتمام لهذه القصبات.. والتي تنهار يوما بعد يوم..
فهل ستلتفت الجهات المسؤولة لتراثنا المعماري بالجنوب ؟ وهل ستلقى قصبة زاوية مولاي عبد المالك الالتفاتة اللازمة قصد إنقاذ ما تبقى منها.. أم أنه مكتوب علينا أن نكون شعب بلا ذاكرة مادام البعض مصر على تهميش كل ما يبرز خصوصياتنا العقارية والمعمارية ؟!
قصبة ايت واحي في خبر كان
تبدو قصبة ايت واحي شامخة بأبراجها الأربعة وهي تطل على أهم رافد من روافد نهر درعة، فعلى مقربة منها يلتقي وادي دادس بوادي مكونة ليشكلا معا سيلا مائيا يوزع الحياة على قرية ايت يحيى وما بعدها من القصور و الدواوير والواحات..
أبراج أربعة تعلو الفضاء لتحكي ألف حكاية وحكاية عن معمار برع أهل الجنوبفي إرساء أسسه بإبداع ينم عن عبقرية فذة.. وعن علو كعب في إطلاق العنان للخيال ليرسم لوحات تغرف من بحر فني زاخر بكل جمالية لها عمق ضارب في أعماق تاريخ المنطقة.. وقبيلة ايت واحي النازحة من واحة درعة هذا النهر الذي لا يمكن الحديث عن تاريخ المغرب ولا جغرافيته دون أن يأتي في مقدمة الفضاءات التي أثرت على الكثير من الأحداث باعتبار أنه ممر تجاري عتيق يربط عاصمة تافلالت سجلماسة بحاضرة ما وراء الصحراء تابمبوكتو.
قصبة ايت واحي اليوم هذه التحفة الجميلة رغم عنادها لمواجهة الإهمال والتهميش والنسيان أصبحت مجرد ركام أتربة أطمرت معها أسرار تاريخية وإبداعات حضارية كان بالإمكان المحافظة عليها واستثمارها لاستقراء تاريخ هذا الشعب العظيم، واستنباط الكثير من المعاني التي تفصح عنها المعالم التاريخية والقصبات.. وليست مجرد بنايات يخفي وراءها السكان عوراتهم ولكنها تحف يمتد عمقها ليبرز أن حضارة هذا الشعب لم تأت كتكملة لحضارة غازية لكنها جذور تؤكد أن الشعب المغربي يبدع في رسم كل ما يوفر له حياة يضاهي بها حياة المجتمعات الأخرى بتفرد وخصوصية تميزه عن الباقي، لكن السياسات المتعاقبة على تسيير شأن وطننا لأزيد من أربعين سنة أهملت كل ما هو مرتبط بأصالتنا وحضارتنا وهويتنا العربية الأمازيغية الإسلامية المنفتحة على الثقافات الإفريقية والفاتحة صدرها على المفيد من الحضارات الغربية.. نعم هذه السياسات أرادت أن تمحي ذاكرة شعب أبدع في نحث حضارته بكل نفوق.. ومن هنا على كل الضمائر الحية أن تعيد لقصبات ايت واحي رونقها لنتأمل من جديد عمق ثقافتنا وجمالية معمارنا لنربط الماضي بالحاضر واستشراف مستقبلنا لنعيد عزة وكرامة هذا الشعب.
قصبة ايت عائشة
خصوصية أمازيغية
القصبة الأمازيغية المعروفة ب " تغرمت نايت عائشة " تعد واحدة من أجمل القصبات في منطقة بوتغرار بأعالي جبال قلعة مكونة.. قصبة تعلوها أبراج أربعة تمتد في العلو لتناجي النجوم.. تتميز بنمطها الأمازيغي المعتمد في مواد بنائه على الطين والخشب والقصب والقش..
أبراج مزخرفة بما يسمونه النقش على الطوب.. وهي في منحدر حافة جبل بوتغرار.. يمتزج جمالها المعماري بهذا الفضاء الطبيعي الخلاب ليشكلا لوحة آية في الجمال ويزيدها بهاء اتخاذ طير البلاشون لأحد أبراجها كعش من أعشاشه لتكتمل الصورة إبهارا.. قصبة يفوق عمرها ثلاثة قرون لتبقى صامدة أمام عواتي الزمن، و الجميل في هذه القصبة الموروثة أبا عن جد أن السكان مازالوا يقطنونها وهذا هو السر في صمودها وبقائها والحفاظ على رونقها وخصوصيتها وهي واحدة من الفضاءات التي تستقطب السياح وتثير انتباههم.. لكن هذا الجمال المعماري الفريد لا يمكن الوصول إليه إلا بعد معاناة لا تخلو من مخاطر لأن المسالك المؤدية إلى المنطقة غير معبدة رغم بعض الإصلاحات التي تعرفها الطريق بين الحين والآخر.. ومنطقة بوتغرار وايت مراو بأعالي جبال مكونة تزخر بفضاءات تمتزج فيها اللوحات الطبيعية بما أبدعته أيادي الصانع المغربيفي